للتسجيل اضغط هـنـا

 




 
 عدد الضغطات  : 1978
 
 عدد الضغطات  : 1752
 
 عدد الضغطات  : 1989
 
 عدد الضغطات  : 1709  
 عدد الضغطات  : 1617  
 عدد الضغطات  : 2935
 
 عدد الضغطات  : 1358  
 عدد الضغطات  : 1450  
 عدد الضغطات  : 995
 
 عدد الضغطات  : 1015  
 عدد الضغطات  : 1403


الاهداءات


العودة   الموقع الرسمي لأبناء نومس > الأقسام الإسلامية > سير الأنبياء والصحابه والتابعين

آخر 20 مشاركات
استقرار معدلات البطالة البريطانية 18/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الانظار نحو الفيدرالي الامريكية مساء اليوم 17/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          انهيار حاد في سعر صرف الروبل الروسي 16/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          تراجع معدل نمو الانتاج الصناعي الصيني 15/12/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الانتاج الصناعي الصيني فجر اليوم 12/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الانظار نحو المركزي السويسري 11/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          مؤشر اسعار المستهلكين الصيني فجر اليوم 10/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          قطاع الانتاج الصناعي البريطاني 9/12/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الدولار يحافظ على الصدارة 8/12/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الجدول الاقتصادي 7/12/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          بيانات التوظيف و البطالة و الامريكية 5/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الانظار نحو محافظ المركزي الاوروبي عصر اليوم 4/12/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          توظيف القطاع الخاص الامريكي عصر اليوم 3/12/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الانظار نحو المركزي الاسترالي صباح اليوم 2/12/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الانظار نحو البيانات الصينية فجر اليوم 1/12/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          البيانات الاقتصادية 30/11/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          النفط ينهار الى ادنى مستويات منذ اربع سنوات 28/11/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          الانظار نحو حديث دراغي صباح اليوم 27/11/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          طلبات السلع المعمرة الامريكية 26/11/2014 من forexyard (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )           »          تقرير التضخم البريطاني ظهر اليوم 25/11/2014 من forexyard‏ (الكاتـب : - مشاركات : 0 - المشاهدات : 1 )


سيرة أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب..رضى الله عنه

سير الأنبياء والصحابه والتابعين


إضافة رد
قديم 12-18-2010, 02:04 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي سيرة أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب..رضى الله عنه

تاريخ الخلفاء الراشدين (4)
سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(شخصيته وعصره

دراسة شاملة
تأليف
علي محمد محمد الصلابي
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]


/

جميع الحقوق محفوظة

الطبعة الأولى للناشر
1426هـ - 2005م
رقم الإيداع: 9849/2005
الترقيم الدولي: I.S.B.N
977- 6119 - 61 -1
الإهداء
إلى كل مسلم حريص على إعزاز دين الله تعالى أهدى هذا الكتاب، سائلاً المولى عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يكون خالصًا لوجهه الكريم. قال تعالى +فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" [الكهف:110].
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: 102]. +يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" [النساء:1]. +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ( يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" [الأحزاب:70، 71].

يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، أما بعد..

هذا الكتاب الرابع في دراسة عهد الخلافة الراشدة، فقد صدرت عدة كتب عن الصديق والفاروق وذي النورين، وقد سميت هذا الكتاب:"سيرة أمير المؤمنين علىَّ بن أبى طالب، شخصيته وعصره"، ويتحدث هذا الكتاب عن أمير المؤمنين علىَّ من الميلاد حتى الاستشهاد، فيبدأ بالحديث عن اسمه ونسبه ولقبه ومولده وأسرته وقبيلته، وإسلامه، وأهم أعماله في مكة، وعن هجرته، ومعايشته للقرآن الكريم وأثرها عليه في حياته، وعن تصوره عن الله والكون والحياة والجنة والنار والقضاء والقدر، وعن مكانة القرآن الكريم عنده، وما نزل فيه من القرآن الكريم، وعن الأصول والأسس التي سار عليها أمير المؤمنين علىٌّ في استنباط الأحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه، وعن تفسير أمير المؤمنين علىٍّ لبعض الآيات الكريمة، وعن ملازمته لرسول الله × منذ طفولته، ومعرفته العميقة بمقام النبوة وكيفية التعامل معه، فقد أوضح معالمه بأقواله وأفعاله، وكان حريصًا على تعليم الناس وحثهم على الاقتداء برسول الله × في أقواله وأعماله وتقريراته. فبيَّن وجوب طاعة النبي × ولزوم سنته والمحافظة عليها، وأوضح دلائل نبوة الرسول × وفضله وبعض حقوقه على أمته×. ويجد القارئ الكريم نماذج من اتباع أمير المؤمنين علىٍّ للسنة النبوية المطهرة، ويتحدث الكتاب عن أسماء بعض الرواة عن أمير المؤمنين علىٍّ من الصحابة والتابعين وأهل بيته.
وينتقل الكتاب بالقارئ إلى حياة أمير المؤمنين في المدينة في عهد النبي × فيتكلم عن زواج أمير المؤمنين علىٍّ من السيدة فاطمة رضي الله عنها، وما في هذا الزواج من دروس وعبر في المهر والجهاز، والزفاف والمعيشة والزهد، وصدق لهجة السيدة فاطمة وسيادتها في الدنيا والآخرة، وترجمت للحسن والحسين رضي الله عنهما ترجمة مختصرة، وبينت فضلهما وما ورد فيهما من أحاديث عن رسول الله ×، وتكلمت عن مفهوم أهل البيت عند أهل السنة، وما يخصهم من أحكام، كتحريم الزكاة عليهم، وكونهم لا يرثون رسول الله ×، وحقهم في خمس الخمس في الغنيمة والفيء، والصلاة عليهم مع النبي ×، ووجوب محبتهم واحترامهم ومودتهم، وبينت مواقف أمير المؤمنين في سرايا رسول الله وغزواته، كبدر وأحد والخندق، وبنى قريظة، والحديبية وخيبر، وفتح مكة، وغزوة حنين، وعن استخلاف النبي × لعلىٍّ على المدينة في غزوة تبوك 8هـ وحج أبى بكر بالناس، ودور علىٍّ رضي الله عنه الإعلامى، ووفد قد نصارى نجران وآية المباهلة، وإرسال النبي × عليًا داعيًا وقاضيًا لليمن، وأقضيته التي حكم بها في اليمن السعيد الحبيب، ومواقف علىٍّ في حجة الوداع، وقصة الكتاب الذي هم النبي × بكتابته في مرض موته، وعن العلاقة بالخلفاء الراشدين، ومكانته في دولة الخلافة الراشدة، فتكلمت عن مبايعته لأبى بكر بالخلافة ومساندته له في حروب الردة، وتقديمه وتفضيله للصديق، وإقتدائه به في الصلوات وقبول الهدايا منه، وأشرت إلى العلاقة بين الصديق والسيدة فاطمة وقصة ميراث النبي ×، ورددت على الشبهات الرافضية حول قصة الميراث ونسفت حججهم وأدلتهم بالبراهين القاطعة والأدلة الناصعة، وكشفت الستار عن رواياتهم الضعيفة والموضوعة، وأثبت محبة السيدة فاطمة للحق والتزامها بالشريعة، واحترامها لخليفة رسول الله أبى بكر، وتسامحها معه، واحترام أهل البيت للصديق والمصاهرات المتبادلة بين آل الصديق وأهل البيت، ومحبتهم له وتسمية أولادهم عليه، وتحدثت عن مساهمات علىٍّ في عهد الفاروق في الأمور القضائية، والتنظيمات المالية والإدارية واستخلاف عمر لعلىٍّ على المدينة مرارًا، ومشاورته له في أمور الجهاد وشئون الدولة، وعن العلاقة الحميمة المتينة بين الفاروق وأهل البيت، وزواج عمر من أم كلثوم بنت على بن أبى طالب، وحقيقة هذا الزواج الميمون المبارك، وتركت الحجج الدامغة، والبراهين الساطعة تنسف الأكاذيب من جذورها فتركتها قاعًا صفصفًا، وأخذت الحقائق التاريخية ترسم لنا حقيقة المحبة والمودة بين الصحابة الكرام، كما جاءت في القرآن الكريم، ووضحت بيعة على لعثمان رضي الله عنه ورددت على الأكاذيب التي ألصقت بها، وتحدثت عن جهوده في دعم دولة ذي النورين، ودفاعة عنه أمام الغوغاء، ومواقفة في فتنة مقتلة في بدايتها، وأثناء الحصار، وبعد استشهاده، وتحدثت عن المصاهرة بين آل عثمان، وأتيت بأقوال علىًّ في الخلفاء الراشدين الذين سبقوه، والتي تدل على محبتهم واحترامهم ومودتهم، والبراءة ممن يسبهم ويشتمهم وإقامة حد المفتري على من يسب الشيخين، ولا يتمالك القارئ المسلم نفسه من البكاء وهو يتأمل في أقوال أمير المؤمنين في الخلفاء وتعامله مع ذلك الجيل القرآني الفريد وساداته الكرام. قال الشاعر.
ومن عجب أنى أحن إليهم

وأسأل عنهم من لقيت وهم معى
وتطلبهم عينى وهم في سوادها
ويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى
وقال الشاعر:
إنى أحب أبا حفص وشيعته
كما أحب عتيقًا صاحب الغار
وقد رضيت عليًا قدوة وعلمًا

ما رضيت بقتل الشيخ في الدار
كل الصحابة سادتى ومعتقدى
فهل علىَّ بهذا القول من عار

هذا وقد تحدثت عن بيعة علىٍّ بالخلافة وكيف تمت، وعن أحقيته بها، وإجماع الصحابة على ذلك، وبيعة طلحة والزبير له طوعًا بدون ضغط أو إكراه، وانعقاد الإجماع على خلافته، وشروط أمير المؤمنين في بيعته، أول خطبة له، وأهل الحل والعقد في دولته، وشيء من فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه، وتوسعت في الحديث عن صفاته، فبينت علمه الواسع وفقهة الغزير، وزهده، وتواضعة، وكرمه وجوده، وحياءه، وشدة عبوديته، وصبره، وإخلاصه، وشكره لله، ودعاء الخاشع، وعن المرجعية العليا لدولته، وسيرها على كتاب الله وسنة رسول ×، والاقتداء بالخلفاء الراشدين الذين سبقوه، وعن حق الأمة في الرقابة على الحكام، والشورى، والعدل والمساواة، والحريات، وعن حياته في المجتمع واهتمامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوته للتوحيد ومحاربته للشرك، وتعريفه الناس بأسماء الله وصفاته، وبنعم الله المستوجبة لشكره، وحرصه على محو آثار الجاهلية، وحرصه على بطلان الاعتقاد بالكواكب، وإحراقة لمن غلوا فيه وادعوا فيه الألوهية، وحديثه عن كيفية بداية الإيمان في القلب وتعريفه للتقوى، ومفقهوم القضاء والقدر، وكيف يحاسب الله العباد على كثرة عددهم.
ونقلت شيئًا من خطبة ومواعظة، وما ينسب إليه من شعر، أو يتمثل به في مناسبات عديدة، واخترت مجموعة قيمة من حكمه التي سارت مضرب المثل بين الناس، وتكلمت عن حديثه عن صفات خيار العباد، وعن تطوع النبي ×، ووصف الصحابة الكرام، وتحذيره من الأمراض الخطيرة التي تصيب القلوب، كطول الأمل واتباع الهوى، والرياء، والعجب، وعن اهتمامه بترشيد الأسواق، ومحاربته للبدع، والأعمال التي تخالف الشرع في أوساط الناس، وتحدثت عن المؤسسات التي في دولته، كالمالية، والقضائية، ومؤسسة الولاة، وعن الخطة القضائية والتشريعية في عهد الخلفاء الراشدين، والمصادر التي اعتمدها الصحابة في ذلك العهد، وعن ميزات القضاء في عهد الراشدين، وعن أشهر قضاة أمير المؤمنين على، وعن أسلوبه القضائي، ونظرته للأحكام الصادرة قبله، والمؤهلين للقضاء، ومجانية الحصول على الحكم، وعن اجتهاداته الفقهية في العبادات، والمعاملات المالية، والحدود والقصاص والجنايات. وأشرت إلى مسألة حجية قول الصحابى والخلفاء الراشدين، وبينت في حديثى عن مؤسسة الولاة، وأقاليم الدولة في عهده وما وقع في كل إقليم، من أمور جسام، وتكلمت عن منجهه في تعيين الولاة، ومراقبته لعماله وبعض توجيهاته، والصلاحيات الممنوحة للولاة..من تعيين وزراء مع كل وال في كل أقليم، وتشكيل مجالس الشورى وإنشاء الجيوش في كل ولاية، وترسيم السياسة الخارجية في مجال الحرب والسلم والحفاظ على الأمن الداخلي وتشكيل الجهاز القضائي في كل ولاية، والنفقات المالية، والعمال التابعين لكل ولاية ومتابعتهم ودور العرفاء والنقباء في تثبيت نظام الولايات، ووضحت بعض المفاهيم الإدارية من أقوال أمير المؤمنين على رضي الله عنه، كتأكيده على العنصر الإنساني، وعامل الخبرة والعلم، والعلاقة بين الرئيس المرءوس، ومكافحة الجمود، والرقابة الواعية، والضبط، والمشاركة في صنع القرار، وحسن الاختيار لدى الوالى والضمانات المادية والنفسية لموظفى الدولة، ومرافقة ذوي الخبرة، ومفهوم الإدارة الأبوية، وكون التوظيف يتم عبر الضوابط وليس الروابط الشخصية، ثم انتقلت إلى المشاكل الداخلية في عهد علىٍّ رضي الله عنه، فتحدثت عن معركة الجمل مبتدئًا بالأحداث التي سبقتها وعن أثر التنظيم السبئي في اندلاعها، ودور عبد الله بن سبأ في إذكاء الفتن الداخلية، وعن اختلاف الصحابة في الطريقة التي يؤخذ بها القصاص من قتلة عثمان، وعن موقف السيدة عائشة أم المؤمنين، وطلحة والزبير ومعاوية بن أبى سفيان ومن كان معهم في الإسراع بالقصاص من قتلة عثمان، وبينت موقف معتزلى الفتنة، كسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبى موسى الأشعرى، وعمران بن حصين وأسامة بن زيد ومن سار عن نهجهم، وتكلمت عن موقف المتريثين في تنفيذ القصاص حتى تستقر الأحوال، كأمير المؤمنين علىٍّ، وعن محاولات الصلح قبل اندلاع معركة الجمل، وعن نشوب القتال، وجولته الأولى والثانية، واستشهاد طلحة والزبير، ومبايعة أهل البصرة لعلىٍّ رضي الله عنه، وعن موقف علىٍّ رضي الله عنه من أم المؤمنين عائشة وكيف عاملها واحترمها وقدرها وردها إلى المدينة معززة مكرمة، وأشرت إلى فضائلها وشيء من سيرتها، كما ترجمت للزبير وطلحة رضي الله عنهما لكونهما من الشخصيات المؤثرة في عهد النبوة والخلافة الراشدة وفي عهد أمير المؤمنين علىٍّ، ودافعت عنهما دفاعًا عن الحق لكونهما ظُلما، فبينت فضلهما ومكانتهما في الإسلام، ورددت على الشبهات والأكاذيب التي ألصقت بهما من خلال إثبات الحقائق الناصعة، والحجج الدامغة، وصفاتهما الرفيعة، وأخلاقهما الكريمة، بحيث يخرج القارئ المسلم بمعرفة حقيقية لا لبس فيها ولا غموض، لهذه الشخصيات الفذة، فلا يتأثر بالروايات الضعيفة، ولا القصص الموضوعة التي وضعها مؤرخو الشيعة الرافضة، والتي شوهت ثقافة الناس عن هذه الشخصيات العظيمة، فالحديث عن ترجمة عائشة، أو طلحة والزبير، أو غيرهم من كبار الصحابة، الذين ساهموا في الأحداث التي وقعت في عهد أمير المؤمنين علىٍّ رضي الله عنه ينسجم مع منهجي في دراسة شخصية أمير المؤمنين وعصره، والشخصيات التي أثرت في ذلك العهد ملتزمًا في طرحى بمنهج أهل السنة والجماعة جملة وتفصيلاً، أصولاً وفروعًا.
قال الشاعر أبو محمد القحطانى:
أكرم بطلحة والزبير وسعدهم
وسعيدهم وبعابد الرحمن

وأبى عبيدة ذى الديانة والتقى
وامدح جماعة بيعة الرضوان
قل خير قول في صحابة أحمد
وامدح جميع الآل والنسوان
دع ما جرى بين الصحابة في الوغى
بسيوفهم يوم التقى الجمعان
فقتيلهم منهم وقاتلهم لهم
وكلاهما في الحشر مرحومان
والله يوم الحشر ينزع كل ما
تحوى صدورهم من الأضغان
لا تركنن إلى الروافض إنهم
شتموا الصحابة دون ما برهان
لعنوا كما بغضوا صحابة أحمد
وودادهم فرض على الإنسان
حب الصحابة والقرابة سنة
ألقى بها ربى إذا أحياني
وقال أيضًا:
إن الروافض شر من وطئ الحصى
من كل إنس ناطق أو جان
مدحوا النبي وخونوا أصحابه
ورموهم بالظلم والعدوان
حبوا قرابته وسبوا صحبه
جدلان عند الله منتقصان
فكأنما آل النبي وصحبه
روح يضم جميعها جسدان
فئتان عقدهما شريعة أحمد
بأبى وأمي ذانك الفئتان
فئتان سالكتان في سبيل الهدى
وهما بدين الله قائمتان
هذا وقد تحدثت عن معركة صفين، ودوافع معاوية رضى الله عنه في عدم البيعة، والمراسلات التي تمت بينه وبين علىًّ رضي الله عنه، ومحاولاتع الصلح، ونشوب القتال، والدعوة إلى التحكيم، ومقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه وأثره على المسلمين، وعن المعاملة الكريمة من الطرفين أثناء الحرب والمواجهة، ومعاملة الأسرى، وعدد القتلى، وترحم أمير المؤمنين على رضي الله عنه على قتلى الطرفين، ونهيه عن شتم معاوية ولعن أهل الشام، ثم تكلمت عن قصة التحكيم، فترجمت ليسرة أبى موسى الأشعرى وعمرو بن العاص رضي الله عنهما، وبينت بطلان الأكاذيب والقصص الواهية، والموضوعة التي ألصقت بهما في حادثة التحكيم، وأشرت إلى كيفية الاستفادة من قصة التحكيم في فض النزاعات بين الدول الإسلامية. وركزت على موقف أهل السنة من تلك الحروب، وحذرت من بعض الكتب التي شوهت تاريخ الصحابة بالظلم والعدوان، ككتاب الإمامة والسياسة المنسوب زورًا لابن قتيبة، وكتاب الأغاني للأصفهاني، وتاريخ اليعقوبي، والمسعودي وغيرهم من الكتب المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة، وبينت دور المستشرقين في تحريف التاريخ الإسلامي وتزويره وتشويهه، وكيف استفادوا من كتب الشيعة الروافض، وكيف أسسوا مدرسة معارضة ساهمت في تلويث الأفكار، وتحريف الوقائع وطمس الحقائق، وتوسيع النقاط السوداء في تاريخنا مع المبالغة والتهويل تحت شعارات براقة، كالبحث العلمي النزيه، والواقعية، والموضوعية والحياد، وتبنى تلك الأفكار التدميرية مجموعة من أبناء المسلمين؛ ينتمون للإسلام، لا يحسنون فهمه، ولا عرضه، ولا العمل به، ولا الدفاع عنه، بل تورطوا في شباك أعداء الإسلام الذين يعملون على تشويه تاريخ هذه الأمة وحضارتها التي صنعها دينها العظيم.
هذا وقد قمت بدراسة موضوعية علمية في الفصل الأخير عن الخوارج والشيعة الرافضة، فبينت نشأة الخوارج وعرفت بهم، وذكرت الأحاديث النبوية التي تضمنت ذمهم، وانحيازهم إلى حروراء، ومناظرة ابن عباس لهم، وسياسة أمير المؤمنين في التعامل معهم، وأسباب مقاتلته لهم، ونشوب القتال معهم، وقصة ذي الثدية أو المخدج، وأثر مقتله على جيش علىٍّ رضي الله عنه، ووقفت مع الأحكام الفقهية التي اجتهد فيها أمير المؤمنين علىٍّ في معاركة في الجمل وصفين ومع الخوارج، وكيف اعتمد عليها الفقهاء فيما بعد، ودونوها في كتبهم بما يعرف بأحكام فقه البغاة، وأشرت إلى أهم صفات الخوارج في عهد أمير المؤمنين علىًّ، كالغلو في الدين، والجهل به، وشق عصا الطاعة، والتكفير بالذنوب واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، والطعن والتضليل، وسوء الظن، والشدة على المسلمين، وناقشت بعض الآراء الاعتقادية للخوارج، كتكفير صاحب الكبيرة، ورأيهم في الإمامة، وطعنهم في بعض الصحابة وتكفيرهم لعثمان وعلى رضي الله عنهما، وتطرقت لأسباب انحراف الخوارج ونزعاتهم في العصر الحديث، كالجهل بالعلوم الشرعية بسبب الإعراض عن العلماء، والقراءة من الكتب بدون معلم، وغلوهم في ذم التقليد، وتخلى كثير من العلماء عن القيام بواجبهم، وشيوع الظلم والتحاكم للقوانين الوضعية، وانتشار الفساد بين الناس، وعدم تزكية النفوس، وأشرت إلى أهم مظاهر غلوهم، كالتشدد في الدين على النفس والتعسير على الآخرين، والتعالم والغرور، والاستبداد بالرأي وتجهيل الآخرين، والطعن في العلماء العاملين، وسوء الظن، والشدة والعنف مع الاخرين، وتكفير المسلمين.
وتكلمت عن فرقة الشيعة الرافضة، فبينت معنى الشيعة في اللغة والاصطلاح، ومعنى الرفض في اللغة والاصطلاح، وسبب تسميتهم بالرافضة، ونشأتهم ودور اليهود في ذلك، والمراحل التي مر بها الشيعة، وأهم عقائد الشيعة الرافضة، وموقف أمير المؤمنين وعلماء أهل البيت من تلك العقائد المنسوبة إليهم، كعقيدة الإمامة وحكم من جحدها، والعصمة ومناقشة أدلتهم على العصمة وبيان بطلانها، وكذلك أدلتهم على النص من القرآن الكريم؛ كآية التطهير، والمباهلة، والولاية، وأدلتهم المزعومة من السنة، كخطبة غدير خم، وحديث: "أنت منى كمنزلة هارون من موسى"، وبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي استدلوا بها على الإمامة، كحديث الطائر، وحديث الدار، وأنا مدينة العلم وعلىّ بابها، وألحقت بالكتاب فهرسًا للأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يحتج بها الشيعة الرافضة لتحذير المسلمين من الوقوع في حبائلهم، وبينت حقيقة التوحيد عند الشيعة الرافضة، وكيف حرفوا نصوص التوحيد وجعلوها في ولاية الأئمة، وجعلوا الإمامة أصل قبول الأعمال، واعتقادهم أن الأئمة هم الواسطة بين الله وخلقه، وقولهم لا هداية للناس إلا بالأئمة، ولا يقبل الدعاء إلا بأسماء الأئمة، وكون الحج إلى المشاهد الشيعية أعظم عندهم من الحج إلى بيت الله، وكون الإمام عندهم يحرم ما يشاء ويحل ما يشاء، وأن الدنيا والآخرة للإمام يتصرف فيهما كيف يشاء، وإسناد الحوادث الكونية إلى الأئمة، وقولهم: إن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم شيء، وغلوهم في الإثبات، وحقيقة التعطيل عندهم، ومسألة خلق القرآن، ومسألة رؤية الله عز وجل في الآخرة، وتفضيلهم الأئمة على الأنبياء والرسل، وموقفهم من القرآن الكريم واعتقاد بعض علمائهم بتحريف كتاب الله عز وجل والرد عليهم، وموقف الشيعة الرافضة من الصحابة الكرام والسنة النبوية المطهرة، ومفهوم التقية عند القوم، وعقيدة المهدي المنتظر عندهم، والرجعة، وقولهم بالبداء على الله سبحانه وتعالى، وقد بينت موقف أمير المؤمنين على بن أبى طالب وأئمة أهل البيت الأطهار، وعلماء أهل السنة من تلك العقائد الفاسدة والمنحرفة عن كتاب الله تعالى، والتزمت في مناقشتي بالأدب والابتعاد عن السب والشتم، ومناقشة القوم من خلال أصولهم وكتبهم المعتمدة، والحرص على بيان الحقيقة لمحبى أهل البيت من الشيعة ودعوتهم بالاقتداء بأمير المؤمنين علىٍّ رضي الله عنه، وتحذيرهم من المندسين تحت عباءة أهل البيت لغرض إفساد عقائد الناس وإبعادهم عن كتاب الله وسنة رسول الله ×، كما أن هناكم رغبة صادقة مخلصة لتعريف الجمهور العريض من أهل السنة بحقيقة هؤلاء الشيعة الرافضة، فالقضية لها وجودها وآثارها بين الشعوب في أفريقيا، وآسيا وأوروبا والأمريكتين، ودعاة التشيع الرافض نشطون في دعوتهم المنحرفة يبذلون في سبيلها الغالي والنفيس، ويتحالفون مع خصوم الإسلام الصحيح لضربه والقضاء عليه، وتشويه منهجه، وهذا ليس بجديد، وأهل السنة- إلا من رحم الله - في استرخاء عجيب، ونوم عميق وغفلة عما يراد بهم، وبعضهم يقول: إن الصراع السنى الشيعي الرافضى قد عفا عليه الزمن، وهذا الكلام عار من الحقيقة، ودليل على الجهل، وفي طياته خداع لجمهور المسلمين العريض، باسم التقريب وتوحيد الصف الإسلامي.
إن المنهج الصحيح للتقريب هو أن يقوم علماء أهل السنة بجهد كبير لنشر اعتقادهم الصحيح المنبثق من كتاب الله وسنة رسول الله ×، وبيان صحته وتميزه عن مذهب أهل البدع، فأهل السنة والجماعة هم المتبعون لما كان عليه رسول الله× وأصحابه ونسبتهم إلى سنة الرسول × التي حث على التمسك بها بقوله ×: "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ"(1)،وحذر من مخالفتها بقوله: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"(2)، وقوله: "من رغب عن سنتي فليس مني", وهذا بخلاف غيرهم من أهل الأهواء والبدع الذين سلكوا مسالك لم يكن عليها الرسول ×، فأهل السنة ظهرت عقيدتهم بظهور بعثته ×- وهي محفوظة بحفظ الله لها في كتابه وسنة رسول ×، وأهل الأهواء ولدت عقائدتهم بعد زمنه ×، ومنها ما كان في آخر عهد الصحابة، ومنها كان بعد ذلك، والرسول × أخبر من عاش من أصحابه سيدرك هذا التفرق والاختلاف فقال: "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا"(3), ثم أرشد إلى سلوك الصراط المستقيم، وهو أتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين، وحذر من محدثات الأمور، وأخبر بأنها ضلال، وليس من المعقول ولا المقبول أن يُحجب حق وهدى عن الصحابة رضي الله عنهم، ويدخر لأناس يجيئون بعدهم، فإن تلك البدع المحدثة كلها شر، ولو كان في شيء منها خير لسبق إليه الصحابة، لكن ابتُلى به كثير ممن جاء بعدهم ممن انحرفوا عما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، ولذا فإن أهل السنة ينتسبون إلى السنة وغيرهم بنتسبون إلى نحلهم الباطلة، أو إلى أسماء أشخاص معينين.
إن المنهج الأصيل للتقريب هو بيان الحق وكشف الباطل وتقريب الشيعة إلى كتاب الله وسنة رسوله×، وفهم الإسلام الصحيح من خلال علماء أهل السنة، وعلى رأسهم فقهاء وعلماء أهل البيت، كأمير المؤمنين على رضي الله عنه وأبنائه وأحفاده، كما أنه ينبغي التنويه، وتشجيع الأصوات الإصلاحية الشيعية الصادقة واحترامها وتقديرها والوقوف معها في نصيحة أقوامها، كالذي قال به السيد حسين الموسوى في كتابه القيم: "لله ثم للتاريخ، كشف الأسرار وتبرئه الأئمة الأطهار" وكالجهد العلمي الذي قام به السيد أحمد الكاتب مشكورًا في كتابه "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه"، وعلينا أن نقف مع كل محب صادق لأهل البيت مقتفيًا آثارهم الصحيحة وهديهم الجميل في إرشاد الناس لكتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، ونعاملهم بكل احترام وتقدير، ونأخذ بأيديهم نحو شواطئ الأمان، ونحثهم على إعمال العقل، وتحريره من أغلاله، وإزاحة الركام الثقيل من الأباطيل التي على الفطرة حتى تأخذ العقول النيرة، والفطرة السليمة مجالها في الوصول للحقيقة التي لها نور ساطع وبريق لامع لا تخفيه الغيوم.
وعلى علماء أهل السنة أن يلتزموا أسلوب البحث العلمي الهادئ في مناقشة بدع المبتدعة وأن يترفقوا معهم، وقد يكون من تمام الترفق زيارتهم ومعاونتهم في الحدود التي لا خلاف فيها، أو نجدتهم في الملمات وأيام المصاعب، أو نصرهم إذا كانوا في نزاع مع الكافر أو الظالم لهم، وفق فقه السياسة الشرعية الخاضعة للمصالح والمفاسد، إلا أن هذا الأصل في التعاون وحسن العلاقة وهدوء البحث لا يمكن أن يطرد دائمًا ليشمل من يأتي من الشيعة الرافضة بغلو قد يكون في السكوت عنه تحريك الغوغاء والدهماء، بل الواجب أن ننكر على أهل الغلو الشديد الأقوال الشاذة في كل الأحوال، والحد المميز بين الطائفتين؛ الأولى التي نترفق معها في الكلام، والثانية التي نغلظ لها الكلام، إنما يكون كامنًا في مدى اعتماد القائل على نص شرعي تتكون منه شبهة، أو على تأويل قد تميل إليه بعض الأذهان، وأما من يتبع غرائب النقول عن المجاهيل والمتأخرين ومن لا تاويل له، فالإنكار منا تجاهه أولى، وربما كان الإغلاظ في إنكار بدعته أوجب.
قال الشاعر:
واحذر مجادلة الرجال فإنها
تدعو إلى الشحناء والشنآن
وإذا اضطررت إلى الجدال ولم تجد
بك مهربًا وتلاقت الصفان
فاجعل كتاب الله درعًا سابغًا
والشرع سيفك وابد في الميدان
والسنة البيضاء دونك جُنة
واركب جواد العزم في الجولان
واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى
فالصبر أوثق عدة الإنسان
واطعن برمح الحق كل معاند
لله در الفارس الطعان
واحمل بسيف الصدق حملة مخلص
متجردًا لله غير جبان
كما أن علماء أهل السنة وأهل الحل والعقد منهم في المجتمعات الطائفية لهم دور كبير في قيادة المسلمين نحو الخير. فهم الذين يقدرون المواقف السياسية والتحالفات الحزبية مع الطوائف الأخرى وفق فقه المصالح والمفاسد الذي تضبطه قواعد السياسة الشرعية، وهذا لا يمنع العلماء والدعاة من تعليم المسلمين أصول منهج أهل السنة وتربيتهم عليه ودعوة الناس إليه، والتحذير من العقائد الفاسدة المندسة في أوساط المسلمين حتى لا يتأثروا بها، والتي يجتهد دعاتها في نشرها بالليل والنهار، والسر والإعلان بدون ملل ولا كلل، ولنا أسوة حسنة في رسول الله × إبان هجرته للمدينة عندما عقد المعاهدات مع اليهود التي تؤمن لهم حياة كريمة في ظل الدولة الإسلامية، وكان القرآن الكريم في نفس الوقت يتحدث عن عقائد اليهود وتاريخهم وأخلاقهم حتى يتعرف المسلمون على حقيقة الشخصية اليهودية فلا ينخدعون بها، وعندما غدر اليهود كان الصف الإسلامي محصنًا ضد هذه الطائفة.
إن الدارس لحركة التاريخ الإسلامي، كمرحلة الحروب الصليبية في عهد نور الدين وصلاح الدين، وزمن العثمانيين في عهد السلطان محمد الفاتح وغيره، المربطين في عصر يوسف بن تاشفين، يلاحظ أن عوامل النهوض، وأسباب النصر كثيرة منها: صفاء العقيدة، ووضوح المنهج، وتحكيم شرع الله في الدولة، ووجود القيادة الربانية التي تنظر بنور الله، وقدرتها على التعامل مع سنن الله في تربية الأمم، وبناء الدول وسقوطها، ومعرفة علل المجتمعات، وأطوار الأمم، وأسرار التاريخ، ومخططات الأعداء من الصليبيين واليهود والملاحدة والفرق الباطنية، والمبتدعة، وإعطاء كل عامل حقه الطبيعي في التعامل معه، فقضايا فقه النهوض، والمشاريع النهضوية البعيدة المدى متداخلة متشابكة لا يستطيع استيعابها إلامن فهم كتاب الله عز وجل وسنة رسول ×، وارتبط بالفقه الراشدي المحفوظ عن سلفنا العظيم، فعلم معالمه وخصائصه وأسباب وجوده وعوامل زواله، واستفاد من التاريخ الإسلامي وتجارب النهوض، فأيقن أن هذه الأمة ما فقدت الصدارة قط وهي وفية لربها ونبيها ×، وعلم أن الهزائم العسكرية عرض يزول، أما الهزائم الثقافية فجرح مميت، والثقافة الصحيحة تبني الإنسان المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والدولة المسلمة على قواعدها المتينة من كتاب الله وسنة رسوله × وهدى الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم، وعبقرية البناء الحضاري الصحيح هي التي أبقت صرح الإسلام إلى يومنا هذا- بعد توفيق الله وحفظه.
فعلينا أن نعمل لهذا الدين، وسعادتنا ليست باقتطاف الثمر العاجل، وإنما في الشعور بتوفيق الله والأمل في رضاه. إننى في دراستي لعهد الخلافة الراشدة حاولت أن أنتقى الكلمات وأصف الأسطر والجمل لتجلية عهد الخلافة الراشدة، من خلال الروايات الصحيحة، لكي يستفيد أبناء المسلمين من تلك الحقبة العلم الغزير والفقة الدقيق، وشمولية فهم الإسلام، فلعل الله سبحانه أن يبارك في هذا الجهد وينتفع به أولئك الدعاة الذين لا نعرف أسماءهم، ولكن سيرى التاريخ آثارهم وسيقيلون العالم الإسلامي من عثرته وينهضون به من كبوته، أولئك الربانيون المتجردون الذين عرفوا الحق واستشعروا السعادة في نصرته، وتعصبوا له، ودافعوا عنه، ووقفوا بجابنه على رقة الحال وقلة النصير. فأخذ الله بأيديهم لصدقهم وإخلاصهم ومتابعتهم للنبي ×، وأولئك العلماء، وطلاب العلم الذين توزن مداد أقلامهم بدماء الشهداء، وأولئك التجار الذين يقفون خلف موكب الدعوة بأموالهم وثرواتهم وأنفسهم ولسان حالهم يقول: +لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا ( إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا" [الإنسان:9، 10] وأولئك الجنود المجهولون في هذه الدنيا ولكنهم غدًا أعلام شامخة في ربُى الخلد. إن العواصف العاتية تهب بعنف تريد اجتياح إسلامنا وديننا وعقيدتنا من جذورها، وجهود خصوم الإسلام من الصليبية واليهودية والعلمانية والباطنية والمبتدعة تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والأدب والسياسة وتريد تشويه تاريخنا فعندما نكون أمة بدون تاريخ، فلن نكون أمة صالحة. فما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم يصنع رجالاً على تراخي العصور؟ فهل يمكننا أن نستلهم من الدروس والعبر من تاريخنا، ما يخزى أعداء الله ويرد كيدهم في نحورهم، وما يساعدنا على استئناف رسالتنا ودعم حضارتنا؟

الموضوع الأصلي: سيرة أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب..رضى الله عنه || الكاتب: 161970 || المصدر: [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]








التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
رد مع اقتباس
قديم 12-18-2010, 02:12 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

إن الإنسانية تترنح في هذه الآونة الكالحة من التاريخ لبعدها عن منهج الله تعالى، والدواء عند المسلمين وحدهم، فهل ينصفون أنفسهم، وينقذون الآخرين؟ قال الشاعر:
ومن العجائب والعجائب جمة
قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول
فهل من عودة إلى الإسلام، تزكي السرائر، وتبني الأخلاق، وتصلنا بالقرآن الكريم، وتشعرنا بشرف الانتماء إلى محمد ودينه، وضرورة العمل بدعوته وسنة خلفائه الراشدين، أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وسائر أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ونكون حلقه موصولة في دعم رسالة الحبيب × التي استوعبت الزمن كله.
وقبل الحديث عن المصادر والمراجع التي تعاملت معها، لابد من الاعتراف بأن هذا الجهد، لولا توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم جهود علماء أهل السنة وطلاب العلم، ممن ساروا على منهجهم، ما استطعت أن أبحر في هذا البحر العميق، ولذلك أقرر بأنني استفدت من الرسائل العلمية التي طبعت والتي لم تنشر، من حيث المادة والمنهج، والحكم على الروايات، والرجوع إلى المصادر الحديثة، والتاريخية وغيرها مع محاولة التطوير والاستفادة من جهود الآخرين في البناء، وأخص بالذكر الدكتور أكرم ضياء العمري الذي أشرف وناقش الكثير من هذه الرسائل في هذا المجال، فقد استفدت من كتبه، كالسيرة النبوية الصحيحة، وعصر الخلافة الراشدة، ومن الرسائل التي أشرف عليها، كرسالة الدكتور يحيى اليحيى "الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري جمعًا وتوثيقًا" ورسالة الأستاذ عبد العزيز المقبل في خلافة أبى بكر الصديق رضي الله عنه من خلال كتب السنة والتاريخ دراسة نقدية للرويات باستثناء حروب الردة, ورسالة الدكتور عبد العزيز بن محمد الفريح في تحقيق كتاب "محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" ليوسف بن الحسن بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي الحنبلي، ورسالة الدكتور محمد عبد الله الغبان في فتنة مقتل عثمان بن عفان، ورسالة عبد الحميد على ناصر في خلافة على بن أبى طالب، وغير ذلك من الرسائل الجامعية التي أشرف عليها أساتذة آخرون، كرسالة د. محمد أمحزون في تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الطبري والمحدثين، ورسالة سلمان العودة، عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، ورسالة الأستاذة أسماء محمد أحمد زيادة، دور المرأة السياسي في عهد النبي × والخلفاء الراشدين، وغير ذلك من الرسائل الجامعية، فالفضل لله سبحانه وتعالى ثم لأساتذتي وإخواني الذين مهدوا لي الطريق، فلهم منى الدعاء بظهر الغيب بأن يتقبل الله جهودهم وتكون في ميزان حسناتهم يوم
لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أما المصادر التي في هذه الدراسة المتعلقة بعهد الخلافة الراشدة فقد بدات:

1-
كتب الحديث: وقد بدات بالكتب السنة؛ صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبى داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، ثم موطأ مالك ومسند أحمد، فبذلت جهدًا لاستخراج المادة التاريخية، التي لها علاقة بعهد الخلافة الراشدة ثم جمعت مادة تاريخية من مصنف عبد الرزاق وابن أبى شيبة ومستدرك الحاكم والسنن الكبرى للبيهقي وسنن سعيد بن منصور، ومسند الحميدي والطيالسي، ومجمع الزوائد وكشف الستار عن زوائد البزار، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ولم أغفل المعجم الكبير للطبراني وسنن الدار قطني، واستفدت من جهود المحققين لما سبق ذكره من كتب الحديث في الحكم على الروايات.

2-


كتب شروح الحديث:وأهمها فتح الباري لابن حجر، وشرح النووي على صحيح مسلم ففيهما مادة تاريخية لا يستهان بها، كما أن تعليقات ابن حجر والنووي على بعض الأحداث التاريخية ذات أهمية تاريخية.

3-


كتب التفسير: وأهم هذه الكتب، تفسير الطبري، والقرطبي، وابن كثير، وأهتم بتعليقاتهم أكثر من الروايات التي نقلوها حيث إن معظمها ذكر في كتب الحديث والتاريخ.

4-


كتب العقائد: وأهم هذه الكتب، منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، وهذا الكتاب استفدت منه فائدة عظيمة، وشرح الطحاوية، والإبانة في أصول الديانة، والاعتقاد للبيهقي، والشريعة للآجرى وغيرها من كتب العقائد، حيث نقلت منها أقوال السلف فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين، ومكانة الصحابة رضي الله عنهم.

5-


كتب الفقه: وأهمها المغنى لابن قدامة، والمجموع للنووي، وبداية المجتهد لابن رشد وغيرها من كتب الفقه، حيث استفدت منها في المسائل الفقهية والقضائية التي اجتهد فيها الخلفاء الراشدون.

6-

كتب الأدب: حيث استخرجت منها بعض الأبيات المنسوبة للخلفاء الراشدين أو تمثلوا بها، أو استمعوا إليها، ولكون كتب الأدب ليس لها أسانيد وفيها الغث والسمين، لذلك كان اختياري للأبيات الشعرية التي تنسجم مع كتاب الله وسنة رسوله × وأخلاق ذلك الجيل الفريد، ومن أهم هذه الكتب، عيون الأخبار لابن قتيبة، والأدب الإسلامي في عهد النبوة لنايف معروف.
7-


كتب الزهد والرقائق: واستخرجت منها أقوال الخلفاء الراشدين في هذا العلم ومن أهم هذه الكتب، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم، ومدارج السالكين لابن القيم، مختصر منهاج القاصدين لأحمد بن عبد الرحمن المقدسى، وغيرها من الكتب.

8-


كتب الفرق والمذاهب: وأهم هذه الكتب، الفصل في المل والأهواء والنحل، لأبى محمد بن حزم الظاهري، وأصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية د. ناصر القفاري.

9-


كتب في أنظمة الحكم: وأهم هذه الكتب، نظام الحكومة الإسلامية للكتاني: المسمى التراتيب الإدارية، ونظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، لظافر القاسمي.

10-


كتب في التراجم: وأهم هذه الكتب، سير أعلام النبلاء للذهبي، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لعبد الحي الحنبلي، أسد الغابة، لابن الأثير، سير السلف لأبى القاسم الأصفهاني.

11-


كتب في الجرح والتعديل: وأهم هذه الكتب، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ المزى، والجرح والتعديل، لابن أبى حاتم، الثقات لابن حبان، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدى.

12- كتب التاريخ: وأهمها تاريخ الطبري، وهذا الكتاب نقل إلينا الروايات الصحيحة والضعيفة والموضوعة بأسانيدها، وفيما يتعلق بالعقيدة والأحكام الشرعية والأحداث التي تتعلق بالصحابة، لابد من خضوع الروايات للجرح والتعديل وبيان الروايات الشيعية الرافضية، والكذابين والمجاهيل، وقد استفدت في هذا الشأن من كتاب استشهاد عثمان ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري، لخالد الغيث، ومرويات أبى مخنف في تاريخ الطبري، للدكتور يحيى إبراهيم اليحيى، وأثر التشيع على الروايات التاريخية د. عبد العزيز نور ولي، ومن أهم هذه الكتب، البداية والنهاية لابن كثير، وغيرها من الكتب التاريخية.

هذا أهم المصادر التي رجعت إليها مع كم كبير من المراجع الحديثة المتنوعة.
هذا وقد تشددت في تصحيح الروايات أو الحكم عليها فيما يتعلق بالعقائد والأحكام والصحابة رضي الله عنهم، وفي هذا الشأن ما أنا إلا ناقل لأقوال العلماء المتخصصين في هذا العلم، فالفضل لله ثم لهم، واجتهدت في تصوير الحدث التاريخي من الروايات الصحيحة فقدمتها وأخذت بالحسنة ولم أهمل الروايات الضعيفة، فقد أفدت منها في إكمال الصورة التي لا تسدها الروايات الصحيحة والحسنة بما يتوافق مع روح ذلك العصر، لكن فيما لا يتعلق بعقيدة أو شريعة، ودخلت في مناقشات لشبهات وافتراءات الرافضة والمستشرقين وبعض الكتاب المعاصرين، وقد حرصت على طرح منهج أهل السنة فيما يتعلق بالعهد الراشدي والرد على الشبهات، خصوصًا في عهد عثمان وعلى رضي الله عنهما، وقد جدّت أفكار كثيرة من بعض الإخوة الأعزاء حول دراسة عهد الخلافة الراشدة، والعزم ماض بإذن الله على تطويرها، بما يلائم ذلك العصر الزاهر ونسأل الله تعالى السداد والتوفيق.
هذا وقد أفردت خامس الخلفاء الراشدين، الحسن بن على بن أبى طالب بدراسة خاصة نظرًا لأهمية اجتهاداته في فقه السياسة الشرعية وفقه المصالح والمفاسد، وما كان يملكه من رؤية إصلاحية توجت بتنازله عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، وما تعرض له أثناء اتخاذه الخطوات التنفيذية لتلك الرؤية من عوائق ومصائب، وما تميزت به شخصيته الفذة من قدرة على امتلاك مشروع إصلاحي وعزم على التنفيذ كان سببًا في توحيد الأمة وتحقيق نبوءة النبي × في قوله: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"،وبتنازل الحسن بن على عن الخلافة ومبايعته معاوية رضوان الله عليهم أجمعين تنتهي بذلك فترة خلافة النبوة وهي ثلاثون سنة، والحجة في ذلك قول رسول الله ×: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكة من يشاء" (4)، وقوله ×: "الخلافة في أمتى ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك" (5)،وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال: وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن على، فإنه نزل على الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ×، فإنه توفى في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليمًا(6). وبذلك يكون الحسن بن على رضي الله عنه خامس الخلفاء الراشدين، وبإذن الله تعالى سوف يكون مع كتاب الحسن بن على خلاصات مهمة فيما يتعلق بدراسة عهد الخلافة الراشدة من معالمها وخصائصها، وأسباب زوالها، ونظام حكمها وصفات جيلها، وقادتها ودستورها، وإدارة الأزمات فيها، واستنباط قوانين وسنن للنهوض، ومكانة المرأة في العهد الراشدي، ومؤسسات الدولة، وفقه القدوم على الله عند ذلك الجيل.
هذا وقد حرصت على تناول شخصية أمير المؤمنين علىٍّ من جوانبها المتنوعة، فحياته صفحة مشرقة في تاريخ الأمة، وهو من الأئمة الذين يتأسى الناس بهديهم وأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة، فسيرته من أقوى مصادر الإيمان، والعاطفة الإسلامية الصحيحة، والفهم السليم لهذا الدين، فنتعلم منه فقهه في التعامل مع السنن وحسن توجيهها، وكيف نعيش مع القرآن الكريم ونهتدي بهديه ونقتدي برسول الله ×، وأهمية الخوف من الله والإخلاص له وابتغاء ما عنده في نجاح العبد في الدارين، وأثر هذه المعاني في حياة الأمة الإسلامية ونهوضها وقيامها بدورها الحضاري المنشود، فلذلك اجتهدت في دراسة شخصيته وعصره حسب وسعي وطاقتي، غير مدع عصمة، ولا متبرئ من زلة، ووجه الله الكريم لا غيره قصدت، وثوابه أردت، وهو المسئول في المعونة عليه، والانتفاع به، إنه طيب الأسماء
وسميع الدعاء.
هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب يوم السبت الساعة الواحدة إلا خمس دقائق ظهرًا بتاريخ 17ربيع الآخر 1424هـ - الموافق 7يونيو 2003م، والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل عملي لوجهه خالصًا ولعباده نافعًا، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي، وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكل ما يملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يطلع على هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه:+رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ".وقال تعالى: +مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وصلي الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه وسلم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا أله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه
على محمد الصَّلابي
الفصل الأول
على بن أبى طالب رضي الله عنه بمكة
المبحث الأول
اسمه ونسبه وكنيته وصفته وأسرته
أولاً: اسمه وكنيته ولقبه:
1-


اسمه ونسبه: هو على بن أبى طالب (عبد مناف) (7) بن عبد المطلب، ويقال له شيبة الحمد (8) بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان(9), فهو ابن عم رسول الله × ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم، وولده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي ×، وكان اسم علىٍّ عند مولوده أسد، سمته بذلك أمه رضي الله عنها باسم أبيها أسد بن هاشم، ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر حيث يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة(10)

كليث غابات كريه المنظرة (11)
وكان أبو طالب غائبًا فلما عاد، لم يعجبه هذا الأسم وسماه عليًا (12).

2-

كنيته: أبو الحسن، نسبه إلى أبنه الأكبر الحسن وهو من ولد فاطمة بنت رسول الله ×، ويكنى أيضًا بأبى تراب، كنية كناه بها النبي ×، وكان يفرح إذا نودي بها، وسبب ذلك أن الرسول × جاء بيت فاطمة رضي الله عنها فلم يجد عليًا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل (13) عندي، فقال × لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله × وهو مضطجع وقد سقط رداءه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله × يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب(14), ومن رواية البخاري: والله ما سماه إلا النبي (15), ومن كناه: أبو الحسن والحسين وأبو القاسم الهاشمى (16), وأبو السبطين (17).

3-


لقبه: أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين (18).

ثانيًا: مولده:

اختلفت الروايات وتعددت في تحديد سنة ولادته، فقد ذكر الحسن البصري أن ولادته قبل البعثة بخمس عشرة أو ست عشرة سنة (19), وذكر ابن إسحاق أن ولادته قبل البعثة بعشر سنين (20), ورجح ابن حجر قوله (21), وذكر الباقر محمد بن على قولين: الأول: كالذي ذكره بن إسحاق، ورجحه ابن حجر، وهو أنه ولد قبل البعثة بعشر سنين (22), وأما الثاني: فيذكر أنه ولذ قبل البعثة بخمس سنين (23), وقد ملت إلى قول ابن حجر وابن إسحاق فيكون مولده على التحقيق قبل البعثة بعشر سنين (24).
وذكر الفاكهي (25), أن عليًا أول من ولد من بنى هاشم في جوف الكعبة، وأما الحاكم فقال: إن الأخبار تواترت أن عليًا ولد في جوف الكعبة (26).
ثالثًا: الأسرة وأثرها في الأعقاب:
لقد دل علم التشريح، وهو دراسة التركيب الجسدي، ولعم النفس، وعلم الأخلاق، وعلم الاجتماع، على تأثير الدم والسلالات في أخلاق الأجيال وصلاحياتها ومواهبها، وطاقاتها، إلى حد معين، في أكثر الأحوال، وذلك عن ثلاث طرق:
(أ) القيم والمثل التي مازال آباء هذه الأسرة وأجدادها يؤمنون بها أشد الإيمان ويحافظون عليها، أو يحاولون أن يحافظوا عليها أشد المحافظة، ويتنبلون لها ويمجدون، ويعتبرون من جار عليها من أبناء الأسرة، أو خالفها وحاد عنها شاردًا غريبًا، ويرون في ذلك غضاضة، وسقوط همة وقلة مروءة، وعقوقًا للآباء وإساءة إليهم لا تغتفر في قوانين هذه الأسرة العرفية المتوارثة.
(ب) حكايات الآباء وعظماء الأسرة في البطولة والفتوة والفروسية، والشهامة، والأنفة والإباء، والجود والسخاء، وحماية المظلومين والضعفاء، تتناقلها الأجيال وتتباهى بها، وذلك في سن مبكرة، ومن أيام الصبا إلى سن الشباب والكهولة، فتؤثر في تكوين عقليتها ومشاعرها، وتعيين المقاييس للعظة والرجولة، والبر بالآباء، وتبرير شهرة الأسرة والسلالة.
(ج) تأثير الدم الموروث في أعضاء الأسرة كابرًا عن كابر، في أسرة حافظت على أنسابها وأصالتها، وذلك ما أيده علم السلالات(27), وهذا ليس على إطلاقه، وقاعدة مطردة، لا تقبل استثناء، ولا شذوذًا كالسنن الإلهية التي قال الله عنها +فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً" [فاطر:43]، وإلى ذلك أشار النبي × في قوله: "الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"(28)، وقوله ×: "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (29), وليس في ذلك من تقديس الدم الموروث الدائم، وتركيز الرئاسة الدينية والزعامة الروحية العلمية في أسرة معينة، واحتكارها لقيادة امة، دينيًا وروحيًا وعلميًا بشكل دائم، وهو الذي عانى منه العالم القديم - قبل الإسلام - فسادًا اجتماعيًا وخلقيًا جارفًا، واستبدادًا فظيعًا، واستغلالً ماديًا شنيعًا، تزخر به كتب التاريخ وشهادات المؤرخين للإمبراطوريتين الرومية والساسانية، والمجتمعين الإغريقي والهندي (30), وغيرها من الجاهليات، ولذلك يحسن بنا أن نشير إلى وضع الأسرة والسلالة- اللتين ولد ونشأ فيهما أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه - العرقي والاجتماعي، وما كانتا تمتازان به من خصائص وأعراف، وتقاليد وتراث خلقي ونفسي، وكيف كان العرب ينظرون إليهما ويقرون لهما بالفضل، ونبدأ في ذلك بقريش، ثم ببنى هاشم (31).
1-
قبيلة قريش:أقر العرب كلهم بعلو نسب قريش، وسيادتها، وفصاحة لغتها، ونصاعة بيانها، وكرم أخلاقها وشجاعتها وفتوتها، وذهب ذلك مثلاً لا يقبل نقاشًا ولا جدالاً (32),وكانوا حلفاء متآلفين متمسكين بكثير من شريعة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ولم يكونوا كالأعراب الذين لا يوقرهم دين، ولا يزينهم أدب، وكانوا يحبون أولادهم، ويحجون البيت، ويقيمون المناسك، ويكفنون موتاهم، ويغتسلون من الجنابة، ويتبرءون من الهرابذة (33),ويتباعدون عن المناكح من البنت وبنت البنت والأخت وبنت الأخت، غيرة وبعدًا من المجوسية، ونزل القرآن بتأكيد صنيعهم وحسن اختيارهم، وكانوا يتزوجون بالصداق والشهود ويطلقون ثلاثًا (34)، ومما زاد شرفهم أنهم كانوا يتزوجون من أي قبيلة شاءوا، ولا شرط عليهم في ذلك، ولا يزوجون أحدًا حتى يشترطوا عليه أن يكون متحمسًا (35) على دينهم، يرون ذلك لا يحل لهم ولا يجوز لشرفهم، حتى يدان إليهم وينقاد(36).
2-


بنو هاشم:أما بنو هاشم فكانوا واسطة العقد في قريش، وإذا قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبارهم وأقوالهم - وهو قليل من كثير جدًا - استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلاء من مشاعر الإنسانية الكريمة، والاعتدال في كل شيء، ورجاحة العقل، وقوة الإيمان بما للبيت من مكانة عند الله، والبعد عن الظلم ومكابرة الحق، وعلو الهمة، والعطف على الضيف والمظلوم، والسخاء، والشجاعة، وما تشتمل عليه كلمة (الفروسية) عند العرب من معان كريمة وخلال حميدة، والسيرة التي تليق بأجداد الرسول الكريم×، تتفق ويتفق مع ما كان يفضله ويدعو إليه من مكارم الأخلاق، غير أنهم عاشوا في زمن الفترة، وسايروا أبناء قومهم في عقائد الجاهلية، وعباداتها (37) ولم يصل بنو هاشم إلى هذه المكانة في مجتمعهم إلا بالتضحية والعطاء والبذل وخدمة الناس.

3-
عبد المطلب بن هاشم:جد الرسول × وعلىّ بن أبى طالب رضي الله عنه: ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة (38), بعد عمه المطلب، فأقامهما للناس، وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم (39).

ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش، ولم يكن سيد مكة الوحيد المطاع، كما كان قُصى، إذا كان في مكة رجال كانوا أكثر منه مالا وسلطانًا، إنما كان وجيه قومه، لأنه كان يتولى السقاية والرفادة، وبئر زمزم، فهي وجاهة ذات صلة بالبيت (40), ويتجلى إيمان عبد المطلب بأن لهذا البيت مكانة عند الله، وأنه حاميه ومانعه، وتتجلى نفسية سيد قريش السامية، وشخصيته القوية الشامخة في حديث دار بينه وبين أبرهة ملك الحبشة، وقد غزا مكة وأراد أن يهين البيت ويقضى على مكانته، وقد أصاب لعبد المطلب مائتى بعير، فاستأذن له عليه، وقد أعظمه أبرهة ونزل له عن سريره فأجلسه معه، وسأله عن حاجته، فقال: حاجتي أن يرد علىّ الملك مائتى بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك زهد فيه الملك وتفادته عينه، وقال: أتكلمني في مائتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟! قال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال: ما كان يمتنع مني، قال: أنت وذاك (41), وقد كان ما قاله عبد المطلب، فحمى رب البيت بيته، وجعل كيد أبرهة وجيشه في تضليل، قال تعالى: +وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ( تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ" [الفيل:3-5].
وكان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيئات الأمور (42)،ومات عبد المطلب بعد أن جاوز الثمانين، وعمر الرسول ثماني سنين، ومعنى ذلك أنه توفى حوالي سنة 578للميلاد (43), وذكر أنه لم تقم بمكة سوق أيامًا كثيرة لوفاة عبد المطلب (44).
4-


أبو طالب والد على بن أبى طالب رضي الله عنه: أبو طالب لا مال له، كان يحب ابن أخيه حبًا شديدًا، فإذا خرج خرج معه، فقد كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله × بعد جده، فكان إليه ومعه (45), وعندما أعلن رسول الله × الدعوة إلى الله وصدع بها وقف أبو طالب بجانب رسول الله × وصمم على مناصرته وعدم خذلانه، فاشتد ذلك على قريش غمًا وحسدًا ومكرًا، وإن المرء ليسمع عجبًا ويقف مذهولاً أمام مروءة أبى طالب مع رسول الله ×، فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن اخيه محمد ×، بل واستفاد من كونه زعيم بني هاشم أن ضم بنى هاشم، وبنى المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت، دفاعًا لرسول الله ×، مسلمهم ومشركهم على السواء (46), وأجار ابن أخيه محمدًا × إجارة مفتوحة لا تقبل التردد والإحجام، ولما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جهدهم معه، وحدبهم عليه، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم، وفضل رسول الله فيهم، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحبوا معه على أمره (47) فقال:

إذا اجتمعت يومًا قريش لمفخر

فعبد مناف سرها وصميمها
وإن حصلت أشراف عبد منافها
ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يومًا فإن محمدًا
هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها
علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديمًا لا نقر ظلامة
إذا ما ثنوا صُعْر الخدود نقيمها
ولما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرمة مكة، وبمكانة منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم في ذلك من شعره، أنه غير مسلم رسول الله ×، ولا تاركه لشيء أبدًا حتى يهلك دونه فقال:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم
وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى
وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنة
يعضون غيظًا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة
وأبيض عضب من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطى وإخوتي
وأمسكت من أثوابه بالوصائل
وتعوذ بالبيت وبك المقدسات التي فيه، وأقسم بالبيت بأنه لن يسلم محمدًا ولو سالت الدماء أنهارًا، واشتدت المعارك مع بطون قريش:
كذبتم وبيت الله نُبْزى (48) محمدًا
ولما نطاعن دونه ونناضل
ونُسلمه (49) حتى نصرع حوله
ونذهل عن أبنائنا والحلائل(50)
وينهض قوم في الحديد إليكم
نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل(51)

واستمر أبو طالب في مناصرة ابن أخيه واستطاع أن يغزو المجتمع القرشي بقصائده الضخمة التي هزت كيانه هزًا، ولما تغلغل الإسلام في قلوب أبناء بعض القبائل، اجتمعت قريش فائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، وكتبوا صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة، وتواثقوا على ذلك، وانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه في شعبه (52), وذلك في محرم سنة سبع من النبوة ومكث بنو هاشم على ذلك نحو ثلاث سنوات لا يصل إليهم شيء إلا سرًا، ثم كان ما كان من أكل الأرضة للصحيفة، وإخبار النبي × أبا طالب بذلك، وتمزيق الصحيفة، وبطلان ما فيها (53), ومات أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة، وهو ابن بضع وثمانين سنة، ولم يسلم أبو طالب (54), وهو العام الذي ماتت في خديجة زوج النبي ×، وتتابعت على رسول الله × المصائب، وسمى هذا العام بعام الحزن (55).






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
آخر تعديل 161970 يوم 12-18-2010 في 02:16 AM.
رد مع اقتباس
قديم 12-18-2010, 02:20 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

5-
أم أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه: هي الصحابية الجليلة السيدة الفاضلة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصى الهاشمية (56),وهي أول هاشمية ولدت هاشميًا (57), وقد حظيت برعاية النبي × حينما كفله عمه أبو طالب بناء على وصية أبيه عبد المطلب، فكانت له أمًا بعد أمة تقوم على شئونه وترعي أموره ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وقد قضى الحبيب المصطفى قرابة عقدين من حياته في كنفها، وقد استجابت لدعوة الإسلام وأصبحت من السابقات الأوليات وصارت من صفوة النساء ممن أخذن المكانة العليا في ساحة الفضيلة، وكانت رضي الله عنها مثالاً للرأفة والرحمة في معاملة الزهراء رضي الله عنها، إذ كانت تقوم بمساعدتها برًا بها وبوالدها ×، وروى عن أمير المؤمنين على رضي الله عنه أنه قال: قلت لأمي: أكفي فاطمة بنت رسول الله سقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك هي الطحن والعجن (58).كما أن صلتها بالنبي × أضافت إلى شخصيتها مكرمة حفظ الحديث وروايته، فقد روت عن النبي × مجموعة من الأحاديث، وقد كانت لها مكانة كبرى عند رسول الله ×، ويخصها بالهدية، فقد أورد ابن حجر بالإصابة أن عليًا رضي الله عنه قال: أُهدى إلى رسول الله حلة إستبرق فقال: "اجعلها خُمُرًا بين الفواطم" (59). فشققتها أربعة أخمرة، خمارًا لفاطمة بنت رسول الله ×، وخمارًا لفاطمة بنت أسد رضي الله عنها، وخمارًا لفاطمة بنت حمزة رضي الله عنها، ولم يذكر الرابعة(60).
ولقد كان حظ السيدة فاطمة مباركًا في حياتها وعند وفاتها، وحظيت بالتكريم إذ توفيت في حياة الحبيب المصطفى × (61), وأما ما روى عن أنس في دفنها فهو واه ضعيف شديد الضعف ولا يتقوى من طرقه الأخرى التي جاءت لأنها كلها ضعيفة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد أم على رضي الله عنها دخل عليها رسول الله × فجلس عند رأسها فقال: رحمك الله يا أمي، كنت أمي بعد أمي، تجوعين وتشبعيننى، وتعرين وتكسيننى، وتمنعين نفسك طيبا وتطعميننى، تريدين بذلك وجه الله والدار الأخرة، ثم أمر أن تغسل ثلاثًا ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده، ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إياه وكفنها ببرد فوقه، ثم دعا رسول الله أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد حفره رسول الله × بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله × فاضطجع فيه وقال:"الله الذي يحيى ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقتها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي. فإنك أرحم الراحمين" وكبر عليها أربعًا وأدخلها اللحد هو والعباس وأبو بكر رضي الله عنهما (62).
وقد احتج من احتج (63) بهذا الحديث على جواز التوسل بالذوات، وقد قام الأستاذ أبو عبد الرحمن جبلان بن خضر العروسى في رسالته لمرحلة الماجستير بتتبع طرق الحديث وبين ضعفها وبطلانها (64),ووضح أن الحديث قد روى من خمسة طرق: ثلاثة موصولة، ومرسلتان، فلم تخل واحدة منها من عدة علل فهو شديد الضعف، ومع هذا لم يرد التوسل المزعوم إلا في طريق واحدة، وهي طريق أنس، فهذه الأحاديث يمكن أن يعل بها الحديث لأن الكل ضعيف فيعل بعضه البعض ولا يزيدها إلا وهنا وضعفا، وأما من ناحية المتن فهو منقوض من عدة وجوه:
- إن في هذا الحديث مبالغة وإطراء وتجاوزًا للمألوف في ذلك العهد النبوي.
- هذا الحديث يخالف هدية وسننه في غسل جنازة المرأة، وذلك في أمور منها:
- سكبه بيده الشريفة لم يرد إلا في هذه القصة، وأما الذي ورد في غسل بنته زينب أنه أمرهم بالغسل، ولم يسكب بنفسه، فقد روى البخاري ومسلم عن محمد بن سيرين عن أن أم عطية قالت: دخل علينا النبي × ونحن نغسل ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا، فإذا فرغتن فآذننى" وقالت:فلما فرغنا ألقى إلينا حقوه فقال: "أشعرنها إياه"، ولم يزد على ذلك (65).
- إن الحفر بيده وإخراجه التراب بيده والاضطجاع فيه كلها لم تعهد إلا في هذا الحديث الضعيف، مخالفًا هديه المشهور عنه وهو من المبالغة والإطراء.
- ثم لفظ الدعاء الذي بدأ بلفظة الغيبة ثم الخطاب بعيد عن أسلوبه المعهود في الدعوات المأثورات "اللهم أنت..." ولم نر في غير هذا الدعاء "الله الذي...".
- ومما يدل على ضعفه أن الراوى اعترف بأن النبي × لم يفعل هذه الأفعال إلا في هذه المرة، ولكنه أراد أن يبرر ذلك بما ذكره، وهيهات (66).

6-
إخوة علىّ بن أبى طالب رضي الله عنه: كان لأبي طالب أربعة أبناء، وهم: طالب، وهو الذي تكنى به، وعقيل، وجعفر، وعلى، وبنتان هما: أم هانئ، وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وكان بين كل واحد منهم وبين أخيه عشر سنوات، فطالب كان أكبر من عقيل بعشر سنوات، وكذلك الشأن مع جعفر وعلى، فكان جعفر أكبر من على بعشر سنوات (67), وهذه نبذة مختصرة عن إخوة على رضي الله عنه.
(أ) طالب بن أبى طالب:هلك طالب مشركًا بعد غزوة بدر، وقيل إنه ذهب فلم يرجع، ولم يدر له موضع ولا خبر، وهو أحد الذين تاهوا في الأرض، وكان محبًا لرسول الله ×، وله فيه مدائح، وكان خرج إلى بدر كرهًا، وجرت بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة فقالوا: والله يا بنى هاشم لقد عرفنا- وإن خرجتم معنا- أن هواكم مع محمد، فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وقال شعرًا وقصيدة ثناء على النبي × وبكى فيها أصحاب قليب بدر (68).
(ب) عقيل بن أبى طالب:فكان يكنى أبا يزيد، تأخر إسلامه إلى عام الفتح، وقيل أسلم بعد الحديبية، وهاجر في أول سنة ثمان، وكان أسر يوم بدر ففداه عمه العباس، وقع ذكره في الصحيح في مواضع، وشهد غزوة مؤته، ولم يسمع له ذكر في الفتح وحنين، لأنه كان مريضًا، أشار إلى ذلك ابن سعد، لكن روى الزبير بن بكار بسنده إلى الحسن بن على أن عقيلا كان ممن ثبت يوم حنين ومات في خلافة معاوية، وفي تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة (69),وعمره ست وتسعون سنة (70).
(ج) جعفر بن أبى طالب: فهو أحد السابقين إلى الإسلام وكان يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم، ويحدثهم ويحدثونه، وهاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشى ومن تبعه على يديه، ولقد تحدثت عنه في كتابي السيرة النبوية..عرض وقائع وتحليل أحداث، واستشهد بمؤتة من أرض الشام مقبلاً غير مدبر (71).
(د) أم هانئ بنت أبى طالب: ابنه عم النبي ×، قيل اسمها فاختة، وقيل اسمها فاطمة وقيل هند، والأول أشهر، وكانت زوج هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي، وكان له منها عمرو، وبه كان يكنى، وفي فتح مكة أجارت أم هانئ رجلين من بنى مخزوم، وقال لها
رسول الله ×: أجرنا من أجرت يا أم هانئ.وروت أم هانئ عن النبي × في الكتب الستة وغيرها(72), قال الترمذي وغيره: عاشت بعد على رضي الله عنه (73).
(هـ) جمانة بنت أبى طالب: هي أم عبد الله بن أبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ذكرها ابن سعد في ترجمة أمها فاطمة بنت أسد، وأفردها في باب بنات عم النبي ×، وقال: ولدت لأبى سفيان بن الحارث ابنه جعفر بن أبى سفيان، وأطعمها رسول الله من خيبر ثلاثين وسقا (74).
7-


أزواجه وأولاده: ولد له من فاطمة (75) بنت رسول الله ×: الحسن والحسين (وسيأتي الحديث عنهما مفصلا)...وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى، وولد له من خولة بنت جعفر ابن قيس بن مسلمة، محمد الأكبر (محمد ابن الحنفية)،وُولد له من ليلى بنت مسعود بن خالد من بنى تميم، عبيد الله وأبو بكر، وولد له من أم البنين بنت حزام (76) بن خالد بن جعفر بن ربيعة: العباس الأكبر، وعثمان، وجعفر الأكبر، وبعد الله، وولد له من أسماء بنت عميس الخثعمية: يحيى وعون (77),وولد له من الصهباء (78), عمر الأكبر ورقية، وولد له من أمامة (79) بنت العاص بن الربيع، محمد الأوسط، وولد له من أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، أم الحسن، ورملة الكبرى، وولد له من أمهات أولاد، محمد الأصغر، وأم هانئ وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، جمانة ونفيسة، وولد له من محياة بنت أمرئ القيس، ابنة هلكت وهي جارية. قال ابن سعد: لم يصح لنا من ولد على رضي الله عن غير هؤلاء(80), وجميع ولد على بن أبى طالب رضي الله عنه لصلبه أربعة عشر ذكرًا، وتسع عشرة امرأة، وقيل: سبع عشرة امرأة، وكان النسل من ولده لخمسة، الحسن والحسين، ومحمد ابن الحنفية، والعباس ابن الكلابية، وعمر ابن التغلبية (81),وسيأتي الحديث عن السيدة فاطمة وذريتها، الحسن والحسين، وأم كلثوم في ثنايا هذا الكتاب بإذن الله تعالى.
8-


صفاته الخَلقية:يقول ابن عبد البر رحمه الله: وأحسن ما رأيت في صفة على رضي الله عنه أنه كان ربعة من الرجال إلى القصر ما هو، أدعج العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حسنًا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شئن الكفين (عَتَدًا) (82) أغيد، كان عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضارى، لا يتبين عضده من ساعده، قد أدمجت دمجًا، إذا مسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، وهو إلى السمن ما هو، شديد الساعد واليد وإذا مشى للحرب هرول، ثابت الجنان، قوى شجاع (83).


المبحث الثاني
إسلامه وأهم أعماله في مكة قبل الهجرة
أولا: إسلامه:
كان من نعمة الله عز وجل على علىّ بن أبى طالب وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله × للعباس عمه - وكان من أيسر بنى هاشم-: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه عياله، آخذ من بيته واحدًا وتأخذ واحدًا، فنكفيهما عنه،فقال العباس: نعم.. فانطلق حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله × عليًا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا رضي الله عنه فضمه إليه، فلم يزل على بن أبى طالب رضي الله عنه مع رسول الله × حتى بعثه الله نبيًا، فاتبعه علىّ، فأقر به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (84).
ونلاحظ أن رسول الله × أراد أن يرد الجميل والمعروف لعمه أبى طالب الذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب، فكان هذا من أكبر نعم الله عز وجل على علىّ رضي الله عنه، إذ رباه وأدبه الذي أدبه الله، عز وجل، وحفظه وعصمه ورعاه، والذي كان خلقه القرآن، فانعكس هذا الخلق القرآني على علىّ رضي الله عنه، وكفى بتربية النبي × تربية لعلى رضي الله عنه، فقد نشأ في بيت الإسلام وتعرف إلى أسراره في مرحلة مبكرة من حياته، وذلك قبل أن تتخطى الدعوة حدود البيت وتنطلق إلى البحث عن أنصار يشدون أزرها وينطلقون بها في دنيا الناس، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، وقد اختلف العلماء فيمن آمن بعد السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، هل هو أبو بكر الصديق أم على رضي الله عنهما؟ والذي أميل إليه من بين أقوال العلماء، أن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان على، ومن النساء خديجة، وهي أول من آمن على الإطلاق، ومن الموالي زيد بن حارثة رضوان الله عليهم (85), وبهذا يكون أمير المؤمنين أول الصغار إسلامًا.

ثانيًا: كيف أسلم على؟
روى ابن إسحاق أن على بن أبى طالب رضي الله عنه جاء إلى النبي × بعد إسلام خديجة رضي الله عنها، فوجدهما يصليان، فقال على: ما هذا يا محمد؟ فقال النبي ×:"دين الله الذي اصطفاه لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحد وإلى عبادته، وتكفر باللات والعزى" فقال له على: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمرًا حتى أحدث أبا طالب، فكره رسول الله × أن يفشى عليه سره، قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا على إذا لم تسلم فاكتم"، فمكث على تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب على الإسلام، فأصبح غاديًا إلى رسول الله ×، حتى جاءه فقال: ما عرضت علىَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله ×: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل علىّ وأسلم، ومكث علىّ يأتيه على خوف من أبى طالب، وكتم على إسلامه ولم يظهر به(86).

ثالثًا: بين على رضي الله عنه وأبى طالب:
قال ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله × كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيًا من أبيه أبى طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، يصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يومًا وهما يصليان، فقال لرسول الله ×: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي تدين به، قال: "أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم"،أو كما قال ×: "بعثني رسولا إلى العباد وأنت - أي عم - أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعانني عليه"،أو كما قال. فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائى وما كانوا عليه، ولكن والله لا يُخلص إليك (87) بشيء تكرهه ما بقيت، ذكروا أنه قال لعلى:أي بنى، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه (88).

رابعًا: هل كسر على رضي الله عنه الأصنام مع رسول الله في مكة؟
عن علىّ رضي الله عنه، قال: انطلقت أنا والنبي × حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله × (اجلس) وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفًا، فنزل، وجلس لي نبي الله × قال: اصعد على منكبي، قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إلىّ إني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله، وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله × "اقذف به"، فقذفت فانكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت، فانظلقت أنا ورسول الله × نستبق حتى توارينا بالبيوت، خشية أن يلقانا أحد من الناس (89),وهذا الحديث إسناده ضعيف، وبالتالي لا يمكن أن يبني عليه حكم كما زعم بعض الناس، ويبقى الأصل الثابت في الفترة المكية، في منع النبي × للصحابة لاستخدام القوة مع الخصوم أو الاعتداء على أصنامهم وأوثانهم بالقوة، وقد قام رسول الله × بتطهير مكة في عام الفتح من الأوثان وأرسل السرايا بعد ذلك الفتح العظيم لهدم وتطهير الجزيرة العربية، من مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على إزالتها وإبطالها.
خامسًا: هل دفن على رضي الله عنه أبا طالب بإرشاد رسول الله؟
عن على رضي الله عنه: أنه أتى النبي × فقال: إن أبا طالب مات، فقال له النبي ×: اذهب فواره، فقال: أنه مات مشركًا. فقال: اذهب فواره، قال: فلما واريته رجعت إلى النبي ×، فقال لي: اغتسل (90). وجاء في رواية: اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئًا حتى تأتينى، قال: فاغتسلت ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها، قال الراوى عبد الرحمن السلمي: وكان علىّ رضي الله عنه إذا غسل ميتًا اغتسل (91).

سادسًا: الحس الأمنى عند علىّ رضي الله عن ودوره في إيصال أبى ذر رضي الله عنه لرسول الله ×:
إن من معالم المرحلة المكية، الكتمان والسرية، حتى عن أقرب الناس، وكانت الأوامر النبوية على وجوب المحافظة على السرية واضحة وصارمة، وقد قام على رضي الله عنه بدور عظيم في أخذ أبى ذر إلى مقر الرسول ×، فقد كان رضي الله عنه منكرًا لحال الجاهلية، ويأبى عبادة الأصنام، وينكر على من يشرك بالله، وكان يصلى لله قبل إسلامه, بثلاث سنوات، دون أن يخص قبلة بعينها بالتوجه، ويظهر أنه كان على نهج الأحناف، ولما سمع بالنبي × قدم إلى مكة، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه علىّ رضي الله عنه، فعرف أنه غريب، فاستضافه ولم يسأله عن شيء، ثم غادر صباحًا إلى المسجد الحرام، فمكث حتى أمسى فرآه على فاستضافه لليلة ثانية، وحدث مثل ذلك الليلة الثالثة، ثم سأله عن سبب قدومه، فلما استوثق منه أبو ذر أخبره بأنه يريد مقابلة الرسول ×، فقال له علىّ: فإنه حق، وهو رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، فتبعه وقابل الرسول ×، واستمع إلى قوله، فأسلم، فقال له النبي ×:"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري"، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فثار القوم حتى أضجعوه فأتى العباس بن عبد المطلب، فحذرهم من انتقام غفار والتعرض لتجارتهم، التي تمر بديارهم إلى الشام، فأنقذه منهم (92), وكان أبو ذر قبل مجيئة قد أرسل أخاه، ليعلم له علم النبي × ويسمع من قوله ثم يأتيه، فانطلق الأخ حتى قدمه، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبى ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني (93) مما أردت، وعزم على الذهاب بنفسه لرسول الله ×، فقال أخوه له: كن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له وتجهموا (94).

ومن الدروس والعبر والفوائد من هذه الحادثة:
1-
التأني والتريث في الحصول على المعلومة:
حيث يعرف أبو ذر رضي الله عنه كراهية قريش لكل من يخاطب الرسول ×، وهذا التأني تصرف أمنى، تقتضيه حساسية الموقف، فلو سأل عنه لعلمت به قريش، وبالتالي قد يتعرض للأذى والطرد ويخسر الوصول إلى هدفه الذي من أجله ترك مضارب قومه وتحمل في سبيله مصاعب ومشاق السفر.
2-

الاحتياط والحذر قبل النطق بالمعلومة:
حين سأل على رضي الله عنه أبا ذر رضي الله عنه عن أمر وسبب مجيئة إلى مكة، لم يخبره بالرغم من أنه استضافه ثلاثة أيام إمعانًا في الحذر، فاشترط عليه قبل أن يخبره أن يكتم عنه، وفي الوقت ذاته يرشده، فهذا غاية في الاحتياط وتم ما أراده.
3-


التغطية الأمنية للتحرك:
الاتفاق بين على وأبى ذر رضي الله عنهما على إشارة، أو حركة معينة، كأنه يصلح نعله، أو كأنه يريق الماء، وذلك عندما يرى على رضي الله عنه من يترصدهما أو يراقبهما، فهذه تغطية أمنية لتحركهما تجاه المقر (دار الأرقم)، هذا إلى جانب أن أبا ذر كان يسير على مسافة من على فيعد هذا الموقف احتياطًا، وتحسبًا لكل طارئ قد يحدث أثناء الحركة.
4-
تفوق الصحابة رضي الله عنهم في الجوانب الأمنية، وتوافر الحس الأمنى لديهم: وتغلغله في نفوسهم، حتى أصبح سمة مميزة لكل تصرف من تصرفاتهم الخاصة والعامة، فأتت تحركاتهم منظمة ومدروسة، فما أحوجنا لمثل هذا الحس الذي كان عند الصحابة، بعد أن أصبح للأمن في عصرنا أهمية بالغة في زوال واستمرار الدول والحضارات، وضعف وقوة الأمم والشعوب، والجماعات والمؤسسات والمنظمات، وأصبحت له مدارسه الخاصة وتقنياته المتقدمة، وأساليبه ووسائله المتطورة، وأجهزته المستقلة، وميزانياته ذات الأرقام الكبيرة، وأضحت المعلومات عامة، والمعلومات الأمنية تباع بأغلى الأثمان، ويضحى في سبيل الحصول عليها بالنفس إذا لزم الأمر، وما دام الأمر كذلك فعلى المسلمين الاهتمام بالنواحي الأمنية حتى لا تصبح قضايانا مستباحة للأعداء، وأسرارنا في متناول أيديهم(95).
سابعًا: على رضي الله عنه مع رسول الله × في طوافه على القبائل، وعرضه للدعوة عليها، وحضوره المفاوضات مع بنى شيبان:
عن أبان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس: حدثني على بن أبى طالب، قال: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم، وكان أبو بكر مقدمًا في كل خير، وكان رجلاً نسابة.. إلى أن قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر، عليه السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم فقال: من القوم؟ قالوا: شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ×، وقال: بأبى وأمي، هؤلاء غُرَر الناس، وفيهم مفروق قد غلبهم لسانًا وجمالاً، وكانت له غديرتان تسقطان على ترِيَبَتْه، وكان أدنى القوم مجلسًا من أبى بكر، فقال أبو بكر: كيف العدد فكيم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على الألف ولن تُغلب ألف من قلة، فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرة، ويديل علينا مرة أخرى، لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا. فقال مفروق، إلام تدعونا يا أخا قريش؟
قال رسول الله ×: "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد"، فقال مفروق: وإلام تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا، فتلا رسول الله × +قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [الأنعام:151].
فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك، ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى تركنا ديننا، واتباعنا دينك لمجلس جلست إلينا، لا أول له ولا آخر لذل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة. إن الزلة مع العجلة، وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدًا، ولكن نرجع وترجع، وننظر، ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى- وأسلم بعد ذلك -:قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك، وإنا إنما نزلنا بين صَرَيَيَنْ، أحدهما اليمامة، والأخر السَّمامة، فقال له رسول الله ×: "ما هذان الصريان؟"، قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حدثًا، ولا نؤوى محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب، فعلنا، فقال رسول الله ×: "ما أسأتم في الرد، إذا أفصحتم بالصدق، وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن تلبثوا إلا قليلاً، حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم، ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه"، فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذاك (96).

وهذا الحديث فيه دروس وعبر وفوائد تعلمها على بن أبى طالب رضي الله عنه منها:
1-
تعلم على رضي الله عنه، أن النبي × رفض أن يعطى القوى المستعدة لتقديم نصرتها، أية ضمانات بأن يكون لأشخاص شيء من الحكم والسلطان على سبيل الثمن، أو المكافأة لما يقدمونه من نصرة وتأييد للدعوة الإسلامية، وذلك لأن الدعوة الإسلامية إنما هي دعوة إلى الله، فالشرط الأساسي فيمن يؤمن بها ويستعد لنصرتها أن يكون الإخلاص لله، ونشدان رضاه هما الغاية التي يسعى إليها من النصرة والتضحية وليس طمعًا في نفوذ أو رغبة في سلطان، وذلك لأن الغاية التي يضعها الإنسان للشيء هي التي تكيف نشاط الإنسان في السعي إليه، فلابد إذن من أن تتجرد الغاية المستهدفة من وراء نصرة الدعوة، عن أي مصلحة مادية لضمان دوام التأييد لها، وضمان المحافظة عليها من أي انحراف، وضمان أقصى ما يمكن من بذل الدعم لها، وتقديم التضحيات في سبيلها (97)، فيجب على كل من يريد أن يلتزم بالجماعة التي تدعو إلى الله ألا يشترط عليها منصبًا، أو عرضًا من أعراض الدنيا؛ لأن هذه الدعوة لله والأمر لله يضعه حيث يشاء، والداخل في أمر الدعوة إنما يريد ابتغاء وجه الله، والعمل من أجل رفع رايته، أما إذا كان المنصب هو همه الشاغل فهذه علامة خطيرة تنبئ عن دخن في نية صاحبها (98),لذلك قال يحيى بن معاذ الرازي: لا يفلح من شممت منه رائحة الرياسة (99).
2-


وتعلم على رضي الله عنه من رسول الله × أن صفة النصرة التي كان يطلبها رسول الله لدعوته من زعماء القبائل أن تكون غير مرتبطة بمعاهدات دولية، تتناقض مع الدعوة، ولا يستطيعون التحرر منها، وذلك لأن احتضانهم للدعوة والحالة هذه يعرضها لخطر القضاء عليها من قبل الدول التي بينهم وبينها تلك المعاهدات، والتي تجد في الدعوة الإسلامية خطرًا عليها وتهديدًا لمصالحها (100)، إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حربًا ضد كسرى، لو أراد القبض على رسول الله × وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات (101).
3-
إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، كان هذا الرد من النبي × على المثنى بن حارثة، حين عرض على النبي × حمايته على مياه العرب، دون مياه الفرس، فمن يسبر أغوار السياسة البعيدة ير بُعد النظر الإسلامي النبوي الذي لا يسامى (102).
4-


لمس على رضي الله عنه أثر الإسلام على المثنى وقومه بعد أن أسلموا، وكيف تحملت قبيلة بنى شيبان عبء مواجهة الفرس، وكان المثنى بن حارثة - فيما بعد- من قادة فتح العراق في عهد الصديق رضي الله عنه، فقد أكسبهم الإيمان بهذا الدين جرأة على قتال الفرس.
هذه بعض المفاهيم والدروس والعبر التي استفادها على رضي الله عنه من رسول الله عند مفاوضاته لزعماء بنى شيبان.
ثامنًا: تقديمه نفسه فداء للنبي ×:

عندمات اجتمعت قبيلة قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي × والتخلص منه، أعلم الله نبيه × بذلك، وكان النبي × أحكم خلق الله، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر على بن أبى طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله × والأعداء أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت هو يعلم أن الأعداء لا يفرقون بينه وبين الرسول الله × في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل الله (103) - تعالى-، وقد أمره النبي × أن يقيم بمكة أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل، وأداء الأمانة (104), وقد جاء في رواية: أن رسول الله × قال له: نم في فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا الخضري، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم (105). وقال ابن حجر، وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: فرقد علىُّ على فراش رسول الله يوارى عنه، وباتت قريش تختلف، وتأتمر، أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى أصبحوا فإذا هم بعلى، فسألوه، فقال: لا علم لي، فعلموا أنه قد فر (106), وعن ابن عباس: إن عليًا قد شرى نفسه تلك الليلة حين لبس ثوب النبي، ثم نام مكانه (107), وفي على وإخوانه من الصحابة المجاهدين الذين يبتغون رضوان الله والدار الآخرة نزل قوله تعالى: +وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ" [البقرة: 207].






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
آخر تعديل 161970 يوم 12-18-2010 في 02:24 AM.
رد مع اقتباس
قديم 12-18-2010, 02:32 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

وفي هذا الموقف دروس وعبر وفوائد منها:

1-
إن خطة الهجرة كما رسمها رسول الله × كانت تتطلب أن يأخذ مكانه في البيت رجل تشغل حركته داخل الدار أنظار المحاصرين لها من مشركي قريش، وتخدعهم بعض الوقت عن مخرج رسول الله ×، حتى يكون وصاحبه أبو بكر قد جاوزوا منطقة الخطر (108).
2-
في تلبية على رضي الله عنه لأمر النبي × مثلا للجندي الصادق، المخلص لدعوة الإسلام، حيث فدى قائده بحياته، ففي سلامة القائد سلامة الدعوة، وفي هلاكه خذلانها، ووهنها، فما فعله على رضي الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول × يعتبر تضحية غالية، إذ كان من المحتمل أن تهوى سيوف فتيان قريش على رأس على رضي الله عنه، ولكن عليًا رضي الله عنه لم يبال بذلك، فحسبه أن يسلم رسول الله نبي الأمة، وقائد الدعوة (109).
3-
في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله × مع محاربتهم له، وتصميمهم على قتله، دليل باهر على تناقضهم العجيب الذي كانوا واقعين فيه، ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه، ويزعمون أنه ساحر، أو مجنون، أو كذاب، لم يكونوا يجدون فيمن حولهم من هو خير منه أمانة وصدقًا، فكانوا لا يضعون حوائجهم، ولا أموالهم التي يخافون عليها إلا عنده، وهذا يدل على أن كفرانهم لم يكن بسبب الشك لديهم في صدقه، وإنما بسبب تكبرهم واستعلائهم على الحق، الذي جاء به، وخوفًا على زعامتهم وطغيانهم (110), وصدق الله العظيم: +قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ" [الأنعام:33].
4-
وفي أمر الرسول× لعلى- رضي الله عنه- بتأدية هذه الأمانات لأصحابها في مكة، على الرغم من هذه الظروف الشديدة التي كان من المفروض أن يكتنفها الاضطراب، بحيث لا يتجه التفكير إلا إلى إنجاح خطة هجرته فقط، على الرغم من ذلك فإن الرسول × ما كان لينسى أو ينشغل عن رد الأمانات إلى أهلها، حتى ولو كان في أصعب الظروف التي تنسي الإنسان نفسه فضلاً عن غيره (111)، فقد أبى أن يخون من ائتمنه ولو كان عدوًا يحرض عليه، ويؤذيه؛ لأن خيانة الأمانة من صفات المنافقين، ويتنزه عنها المؤمنون (112).
5-
هذا الحديث العظيم فيه دلالة قاطعة على شجاعة على رضي الله عنه، فإنه يعلم وهو يقوم بتنفيذ ما أمر به أنه معرض لخطر عظيم، فقد يقتحمون عليه داره ويقتلونه دون أن يتثبتوا من هويته، وقد يباغتونه وهو خارج في الصباح من غير أن يتبينوا من هو، والقوم يتربصون به طوال الليل يترقبون هذه اللحظة وقد بلغ منهم الجهد كل مبلغ، فأصبحوا غير قادرين على التأكد من شخصية الخارج من الدار، أهو محمد × أم رجل آخر؟ لابد أن ذلك كله قد دار في عقل على لكنه بادر وسعد بالتنفيذ فهو أولاً: يحب الله ورسوله حبًا ملك عليه قلبه، فجعل سلامة رسول الله × هدفه الأسمى ولو كلفه ذلك التضحية بحياته، ثانيًا: هي عملية لابد منها لكي يخرج الرسول سالمًا من تدبير الأعداء حتى يتمكن من نشر الإسلام في كل مكان، فالأمر إذن يتعلق بمصلحة الإسلام أولاً وثانيًا، وقد نام على رضي الله عنه في فراش رسول الله × مع كل هذه التوقعات، وهذا دليل على عمق إيمانه بقضاء الله وقدره، فهو بحق مؤمن بقوله تعالى: +قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" [التوبة:51]. وإننا لنلمح في اختيار رسول الله × لعلى- ليقوم بهذا الدور الخطير- ثقة تامة لا تعدلها ثقة، واطمئنانًا إلى قدرات خاصة امتاز بها على قد لا تتوافر في غيره، فإنه لم يتردد حين دعاه الرسول × لينام على فراشه، وهو يعلم أنه
ليس وراء ذلك إلا الموت الذي أعد له المشركون أشجع فتيان قريش ولم يسمح لنفسه
أن يفكر في العاقبة؛ لأنه يعلم أنه حين يكون فداء لرسول الله ينال بذلك شرفًا لا يناله
بغير هذا الطريق(113).

تاسعًا: هجرته:

لما أصبح على، رضي الله عنه، قام عن فراشه، فعرفه القوم وتأكدوا من نجاة رسول الله ×، فقالوا لعلى: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، أو رقيبًا كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج. وضاق القوم بتلك الإجابة الجريئة وغاظهم خروج رسول الله من بين أظهرهم، وقد عموا عنه فلم يروه، فانتهروا عليًا وضربوه، وأخذوه إلى المسجد فحبسوه هناك ساعة، ثم تركوه (114), وتحمل على ما نزل به في سبيل الله، وكان فرحه بنجاة رسول الله أعظم عنده من كل أذى نزل به، ولم يضعف ولم يخبر عن مكان رسول الله ×، وانطلق على في مكة يجوب شوارعها باحثًا عن أصحاب الودائع التي خلفه رسول الله من أجلها، وردها إلى أصحابها، وظل يرد هذه الأمانات حتى برئت منها ذمة رسول الله ×، وهناك تأهب للخروج ليلحق برسول الله × بعد ثلاث ليال قضاهن في مكة (115).
وكان على في أثناء هجرته يكمن بالنهار فإذا جن عليه الليل سار حتى قدم المدينة، وقد تفطرت قدماه (116), وهكذا يكون على رضي الله عنه، قد لاقى في هجرته من الشدة ما لاقى، فلم تكن له راحلة يمتطيها، ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس وفي مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة، ولو أضفنا إلى ذلك أنه - رضي الله عنه - قد قطع الطريق على قدميه دون أن يكون معه رفيق يؤنسه، لعلمنا مقدار ما تحمله من قسوة الطريق ووعثاء السفر ابتغاء مرضاة الله - عز وجل - وأنه في نهاية المطاف سيلحق برسول الله ×، ويستمتع بجواره أمنًا مطمئنًا في المدينة، ولم يكد علىّ يقطع الطريق ويصل إلى المدينة حتى نزل في بنى عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم، حيث كان ينزل رسول الله × (117), وهكذا كانت هجرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب - رضي الله عنه - تضحية وفداء وتحملاً وشجاعة وإقدامًا.
وقد لاحظ سيدنا على مدة إقامته بقباء امرأة مسلمة لا زوج لها، ورأى إنسانًا يأتيها من جوف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه، فيعطيها شيئًا معه، فتأخذه، ولنستمع إليه رضي الله عنه وهو يحدثنا بالقصة حيث قال: فاستربت بشأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئًا لا أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة، لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف بن وهب، قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها فقال: احتطبي بهذا, فكان على رضي الله يؤثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حتى هلك عنده بالعراق (118).ونلاحظ صفة النباهة واليقظة التي لابد للمسلم أن يتحلى بها ولا يكون غافلاً عما يدور حوله.

المبحث الثالث
معايشة أمير المؤمنين على للقرآن الكريم
وأثرها عليه في حياته
أولاً: تصوره عن الله والكون والحياة والجنة والنار والقضاء والقدر:
كان المنهج التربوي الذي تربي عليه على بن أبى طالب رضي الله عنه هو نفسه الذي خضع له كل الخلفاء الراشدين، والصحابة الكرام، فقد تربوا على القرآن الكريم، وكان المربي سيد الخلق أجمعين محمدًا ×، فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر التلقى وتفرده، وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج، مع ما يوحي إليه المولي عز وجل من الحكمة، ولقد تربي الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة على العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ×، ولقد كانت للآيات الكريمة التي سمعها على من رسول الله مباشرة أثرها في صياغة شخصيته الإسلامية، فقد طهرت قلبه، وزكت نفسه، ونورت عقله، وتفاعلت معها روحه، فتحول إلى إنسان جديد بقيمه ومشاعره وأهدافه وسلوكه وتطلعاته (119).
فقد عرف على رضي الله عنه من خلال القرآن الكريم والتربية النبوية الراشدة من هو الإلة الذي يجب أن يعبده، وكان النبي × يغرس في نفسه معاني تلك الآيات العظيمة، فقد حرص × أن يربي أصحابه على التصور الصحيح عن ربهم وعن حقه عليهم، مدركًا أن هذا التصور سيورث التصديق واليقين عندما تصفي النفوس، وتستقيم الفطرة، فأصبحت نظرة على رضي الله عنه إلى الله والكون والحياة والنار، والقضاء والقدر، وحقيقة الإنسان، وصراعه مع الشيطان مستمدة من القرآن الكريم وهدى النبي ×.
فالله سبحانه وتعالى منزه عن النقائص، موصوف بالكمالات التي لا تتناهى، فهو "واحد لا شريك له ولم يتخذ صاحبة ولا ولدًا".
وأنه سبحانه خالق كل شيء ومالكه ومدبره: + إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" [الأعراف: 54].
وأنه تعالى مصدر كل نعمة في هذا الوجود، دقت أو عظمت، ظهرت أو خفيت، +مَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ" [النحل:53].
وأن علمه محيط بكل شيء، فلا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ولا ما يخفي الإنسان وما يعلن، وأنه سبحانه يقيد على الإنسان أعماله بواسطة ملائكته، في كتاب لا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها، وسينشر ذلك في اللحظة المناسبة والوقت المناسب +مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" [ق:18].
وأنه سبحانه يبتلي عباده بأمور تخالف ما يحبون وما يهوون ليعرف الناس معادنهم، ومن منهم يرضى بقضاء الله وقدره، ويسلم له ظاهرًا وباطنًا، فيكون جديرًا بالخلافة والإمامة والسيادة، ومن منهم يغضب ويسخط فلا يساوى شيئًا، ولا يُسند إليه شيء +الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" [الملك:2].
وأنه سبحانه يوفق ويؤيد وينصر من لجأ إليه ولاذ بحماه ونزل على حكمة في كل ما يأتي وما يذر: +إِنَّ وَلِيَّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ" [الأعراف: 196]، وأنه سبحانه وتعالى حقه على العباد أن يعبدوه ويوحدوه ولا يشركوا به شيئًا +بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ" [الزمر: 66].
وأنه وحده المستحق للعبادة وهذا حق الله على العباد، كما قال تعلى: + إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ وَمَن يُّشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا" [النساء: 48].
وأنه سبحانه حدد مضمون هذه العبودية، وهذا التوحيد في القرآن الكريم (120).
وأما نظرته للكون فقد استمدها من قول الله تعالى: +قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" [فصلت: 9- 12].
وأما هذه الحياة فمهما طالت فهي إلى زوال، وأن متاعها مهما عظم فإنه قليل حقير، قال تعالى:+اضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً" [الكهف: 45، 46]، فعرَّف الله تعالى الإنسان المسلم حقيقة الحياة، وأنها ليست دار كرامة، وأن الآخرة خير وأبقى، وهى تهدي من تمكن حب الله ورسوله من قلبه على أن يقدم رضا الله ورسوله على ما سواه، ولو كان الثمن الدنيا وما فيها. وقد عبر عن هذه الحقيقة أمير المؤمنين على عندما قال: "يا دنيا غُرّى غيري، إلىَّ تعرضت أم إلىَّ تشوقت، هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، أه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق (121) "
وأما نظرته إلى الجنة فقد استمدها من خلال الآيات الكريمة التي وصفتها فأصبح حاله ممن قال الله فيهم + تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [السجدة: 16، 17].
وأما تصوره للنار فقد استمده من القرآن الكريم، فأصبح هذا التصور رادعًا له في حياته عن أي انحراف عن شريعة الله، فيرى المتتبع لسيرة أمير المؤمنين على رضي الله عنه عمق استيعابه لفقه القدوم على الله عز وجل، وشده خوفه من عذاب الله وعقابه، وسيتضح كثير من هذه المعالم في هذا الكتاب بإذن الله تعالى.
وأما مفهوم القضاء والقدر فقد استمده من كتاب الله وتعليم رسول الله ×، فقد رسخ مفهوم القضاء والقدر في قلبه، واستوعب مراتبه من كتاب الله تعالى، فكان على يقين بأن علم الله محيط بكل شيء + وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" [يونس:61]، وأن الله قد كتب كل شيء كائن + إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ" [يس:12].
وأن مشيئة الله نافذة وقدرته تامة + وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا" [فاطر:44]، وأن الله خالق كل شيء + ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" [الأنعام:102].
وقد ترتب على الفهم الصحيح والاعتقاد الراسخ في قلبه لحقيقة القضاء والقدر، ثمار نافعة ومفيدة، ظهرت في حياته، وسنراها بإذن الله تعالى في هذا الكتاب، وعرف من خلال القرآن الكريم حقيقة نفسه وبنى الإنسان، وأن حقيقة الإنسان ترجع إلى أصلين: الأصل البعيد وهو الخلقة الأولى من طين، حين سواه ونفخ فيه الروح، والأصل القريب وهو خلقه من نطفة (122)، فقال تعالى: +الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ( ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ" [السجدة: 7- 9]، وعرف أن هذا الإنسان خلقه الله بيده، وأكرمه بالصورة الحسنة والقامة المعتدلة، ومنحه العقل والنطق والتمييز، وسخر الله له ما في السماء والأرض، وفضله على كثير من خلقه، وكرمه بإرسال الرسل له، وأن من أروع مظاهر تكريم المولى عز وجل سبحانه للإنسان أن جعله أهلاً لحبه ورضائه ويكون ذلك باتباع النبي × الذي دعا الناس إلى الإسلام لكي يحيوا حياة طيبة في الدنيا ويظفروا بالنعيم المقيم في الآخرة، قال تعالى: + مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [النحل:97].
وعرف أمير المؤمنين على رضي الله عنه حقيقة الصراع بين الإنسان والشيطان، وأن هذا العدو يأتي للإنسان من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، يوسوس له بالمعصية، يستثير فيه كوامن الشهوات، فكان مستعينًا بالله على عدوه إبليس منتصرًا عليه في حياته، كما سنرى في سيرته، وتعلم من قصة آدم مع الشيطان في القرآن الكريم، أن آدم هو أصل البشر، وأن جوهر الإسلام الطاعة المطلقة لله، وأن الإنسان له قابلية للوقوع في الخطيئة، وتعلم من خطيئة آدم ضرورة توكل المسلم على ربه، وأهمية التوبة والاستغفار في حياة المؤمن، وضرورة الاحتراز من الحسد والكبر وتقديم مرضاة الله سبحانه وتعالى على كل ما سواه، وأهمية التخاطب بأحسن الكلام مع إخوانه من الصحابة، قال تعالى: +وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا" [الإسراء: 53]. وسار على منهج رسول الله في تزكية أصحابه لأرواحهم، وتطهير قلوبهم بأنواع العبادات، وتربيتهم على التخلق بأخلاق القرآن الكريم.

ثانيًا: مكانة القرآن الكريم عنده:
عاش أمير المؤمنين على رضي الله عنه حياته مع القرآن تلاوة وحفظًا وفهمًا وعملاً، وكان يقول: " من قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوًا" (123) وكان يقول: "طوبي لهؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله ×"(124)، وكان يقول: "ما كنت أرى أحدًا يعقل ينام قبل أن يقرأ الآيات الثلاث الآواخر من سورة البقرة" (125), أي أهل القرآن وقال يصف القرآن الكريم ويبين عظيم قدره: "كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم مما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو الحبل المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدى إلى صراط مستقيم"(126).
ولشدة اهتمام أمير المؤمنين على بالقرآن حصل على علم كبير به وبعلومه، فقد روى عنه أنه قال: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبًا عقولاً ولسانًا صادقًا ناطقًا"(127), وقد قال رضي الله عنه: "سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم نهار، وفي سهل أم في جبل" (128)، ويرى ابن عبد البر أن عليًا رضي الله عنه كان ممن جمع القرآن الكريم على عهد رسول الله وهو حى (129)، وقد قال في آخر عهده: "سلوني قبل أن تفقدوني"(130). وكان ذلك عندما مات أكثر علماء الصحابة، وكان رضي الله عنه بالعراق، فكان من حرصه على تعليم الناس القرآن الكريم والهدى النبوي الشريف في قوم كثر فيهم الجهل ولا يعرفون الكثير من أحكام الدين، فكان رضي الله عنه يحرص على تعليمهم وإرشادهم للحق، فقد كان أعلم أهل زمانه، وهذا نموذج للعالم الرباني الذي يحرص على تعليم الناس الخير وتربيتهم عليه.

ثالثًا: ما نزل فيه من القرآن الكريم:
كان القرآن الكريم ينزل على رسول الله يعالج أحداثًا واقعية حصلت في المجتمع النبوي الكريم، فيثنى على عمل ما، ويشيد بأقوام، ويحذر من آخرين، وينبه على بعض الأخطاء، وقد نزلت بعض الآيات التي خلدت بعض المآثر لأمير المؤمنين وبعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

1-
منها قول تعالى: +هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ( يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ( إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ" [الحج: 19- 23].

روى البخاري بسنده عن على بن أبى طالب أنه قال: "أنا أول من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة"، وقال قيس بن عبادة: فيهم نزلت +هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" قال: هم الذين تبارزا يوم بدر، حمزة وعلى وأبو عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة (131).
2-
وهو أحد من نزل فيهم قول الله تعالى: + فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ" [آل عمران: 61]. وذلك في وفد نجران حينما جادلهم النبي × في عيسى ابن مريم، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى أمه الطاهرة، فأجابته، وكذبهم في أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، ودعاهم إلى الإسلام، فأبوها فدعاهم إلى المباهلة، فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: ولما نزلت: + فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ" دعا رسول الله عليًا، وفاطمة، وحسنًا وحسينًا رضي الله عنهم فقال: اللهم هؤلاء أهلي (132).
3-
مواقفة القرآن له في كون الجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام:ففي الصحيح أن رجلاً قال: لا أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، فقال على بن أبى طالب: "الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله"، فقال عمر بن الخطاب "لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ×، ولكن إذا قضيت الصلاة سألته عن ذلك، فسأله، فأنزل الله هذه الآية: + أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" [التوبة: 19-22]. فبين لهم أن الإيمان والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام والحج والطواف ومن الإحسان إلى الحجاج (133).
4-
شفقته على أمة محمد ×: عن على رضي الله عنه، قال: لما نزلت هذه الآية: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً" [المجادلة:12] قال النبي × لعلى: مرهم أن يتصدقوا، قال: يا رسول الله، بكم؟ قال: بدينار، قال: لا يطيقونه. قال: بنصف دينار.قال: لا يطيقونه، قال: فبكم؟ قال: بشعيرة (134)، قال: فقال النبي × لعلى: إنك لزهيد, قال: فأنزل الله: +أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" [المجادلة:12]. قال: فكان على يقول: فبي خفف الله عن هذه الأمة(135).

رابعًا: تبليغه تفسير رسول الله لبعض آيات القرآن الكريم:
استفاد على رضي الله عنه من تفسير رسول الله ×، وبلغ ما تعلم من رسول الله للناس وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
(أ) قوله تعالى: +وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" [الواقعة: 82]: عن على رضي الله عنه عن النبي × قال: +وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ" قال: شكركم أنكم تكذبون، مُطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا (136).
(ب) فكل ميسر لما خلق له:عن على - رضي الله عنه- قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله × فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد، من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، ألا وقد كتبت شقية أو سعيدة"، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: "اعملوا فكل ميسر، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون إلى عمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ +فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى"(137): [الليل: 5- 10]، وفي رواية: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة سيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة سيصير إلى عمل أهل الشقاوة(138).
وفي رواية في الصحيحين عن على قال: كان رسول الله × ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال: "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار" فقالوا: يا رسول الله فِلمَ نعمل؟، أو لا نتكل؟، فقال: لا..اعملوا، فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ: +فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ( وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ( وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى"(139) [الليل: 5-10]. فقد أخبر النبي × في هذه الأحاديث وغيرها بما دل عليه القرآن الكريم من أن الله - سبحانه وتعالى - تقدم علمه وكتابه وقضاؤه بما سيصير إليه العباد من السعادة والشقاوة كما تقدم علمه وكتابه بغير ذلك من أحوال العباد وغيرهم(140)، قد بين النبي × أن ذلك لا ينافي وجود الأعمال التي بها تكون السعادة أو الشقاوة، وأن من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة، وقد نهي أن يتكل الإنسان على القدر السابق ويدع العمل، ولهذا كان من اتكل على القدر السابق وترك ما أمر به من الأعمال هو من الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وكان تركهم لما يجب عليهم من العمل من جملة المقدور الذي يسروا به لعمل أهل الشقاوة، فإن أهل السعادة هم الذين يعملون المأمور ويتركون المحظور، فمن ترك العمل الواجب الذي أمر به وفعل المحظور متكلاً على القدر، كان من جملة أهل الشقاوة والميسرين لعمل أهل الشقاوة، وهذا الجواب الذي أجاب به النبي × وتعلمه على بن أبى طالب رضي الله عنه وأصحاب النبي في غاية السداد والاستقامة (141).






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
رد مع اقتباس
قديم 12-18-2010, 02:48 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

خامسًا: الأصول والأسس التي سار عليها أمير المؤمنين على في استنباط الأحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه:
كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه على مبلغ كبير من العلم بالقرآن وعلومه، وقد جعله هذا العلم بالقرآن يعتقد أن القرآن فيه جميع الأحكام الشرعية إما صراحة أو ضمنًا، فكان يقول بصدد ذلك: "إن الله لم يك نسيًا" (142), ولذلك كان كثيرًا ما يحتج بالقرآن ويتلو الآية التي يستند إليها لبيان الحكم الشرعي وكانت طريقته في الاستنباط كالآتي:

1-
الالتزام بظاهر القرآن الكريم: كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه يلتزم أحيانًا بظاهر القرآن الكريم حين لا يرى قرينة تقتضي صرفه عن ظاهره، فإنه كان يتوضأ لكل صلاة ويقرأ هذه الآية: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ..."(143) [المائدة:6]؛ لأن ظاهرها يدل على الوضوء عند إرادة الصلاة كل مرة، وأوجب الصوم على المقيم إذا أدركه الصوم ثم سافر، فقال: من أدركه الصوم وهو مقيم ثم سافر لزمه الصوم؛ لأن الله تعالى قال: +فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" [البقرة:185] (144)، ورأى عدم تحريم إرضاع الكبير؛ لأنه ليس ضمن حولي الرضاعة استنادًا إلى ظاهر آية الرضاعة، حيث روى عنه أنه قال في قوله تعالى: +وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ" [البقرة: 233]، الرضاعة سنتان فما كان من رضاع في الحولين حرم، وما كان بعد الحولين فلا يحرم (145)، وحمل القرآن الكريم على ظاهره في مكان آخر حيث حكم ببراءة امرأة اتهمت بالزنا لأنها ولدت بعد ستة أشهر من زواجها، فجمع بين قوله تعالى: +وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ" [البقرة:233] وقوله تعالى: + وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا" [الأحقاف:15]. فقال: الحمل ستة أشهر والفصال أربعة وعشرون شهرًا(146)، أي أنه طرح مدة الرضاعة وهي السنتان من مجموع مدة الرضاعة والحمل وهي ثلاثون شهرًا فبقيت

ستة أشهر، فجمع بين ظاهر كلتا الآيتين وحكم بهما(147).
2-
حمل المجمل على المفسر: المجمل هو ما خفي مراده بحيث لا يدرك إلا ببيان يرجى(148)، والمفسر: هو ما ظهر المراد منه دون الحاجة إلى بيان(149),وقد حمل مجمل القرآن في قوله تعالى: +هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ" [المائدة:95] على مفسره في مواضع أخرى، حيث ورد أنه سأل رجل عليا عن الهدى مما هو؟ فقال: من الثمانية أزواج، فكأن الرجل شك، فقال له على: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل سمعت قول الله تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ" [المائدة:1].قال: نعم، قال: فهل سمعته يقول: +وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ" [الحج:34] قال: فسمعت الله يقول: + مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ (وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ " [الأنعام: 143، 144]. قال: نعم، فهل سمعت الله يقول: + يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ" إلى قوله تعالى: +هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ" [المائدة:95]. فقال: الرجل: نعم، قال: فقتلت ظبيًا فماذا علىَّ؟ قال: هديًا بالغ الكعبة(150).

3-
حمل المطلق على المقيد في القرآن الكريم: المطلق: هو ما دل على الماهية بلا قيد، والمقيد هو ما قيد لفظا بأي قيد(151), ولقد حمل أمير المؤمنين على مطلق القرآن على مقيده في استنباط الحكم، إذ حمل مطلق الأمر بالقطع في آية السرقة على مقيده في آية المحاربة بعدم القطع إلا مرتين، وعدم قطع أكثر من يد ورجل عند تكرار السرقة، فإذا سرق مرة قطعت يده اليمنى، وإذا سرق قطعت رجله اليسرى عند على، فإن زاد وسرق مرة ثالثة ورابعة لم يزد على ذلك، ويعزره بدل القطع لأنه حمل قوله تعالى:
+السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا" [المائدة:38] على آية المحاربة + إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ" [المائدة: 33]. وقال: إن الله لم يزد على قطع يد ورجل في آية المحاربة، ولذلك كان يعاقب مثل هذا بالسجن(152). فعن الشعبي قال: كان على لا يقطع إلا اليد والرجل، وإن سرق بعد ذلك سُجن ونكل، وإنه كان يقول: إني لأستحيى من الله أن لا أدع له يدًا يأكل بها ويستنجى(153).
4-
العلم بالناسخ والمنسوخ: النسخ، هو رفع الحكم الشرعي بخطاب متأخر(154),ويقول الزركشي: قال الأئمة: ولا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ(155), وعلى هذا المعنى يؤكد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه، وذلك عندما عاتب قاصًّا بقوله: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت(156).
5-
النظر في لغة العرب:ومن منهج أمير المؤمنين على في فهم القرآن الكريم النظر في لغة العرب، كما فهم من قوله تعالى: +وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ" [البقرة:228] أن المراد بالأقراء الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة(157)، لذا قال على رضي الله عنه عن المطلقة: لا تحل لزوجها الرجعة عليه حتى تغتسل من الحيضة الثالثة(158) والقروء في كلام العرب جمع قرء، وهو الحيض، والقرء أيضًا الطهر، وأقرأت المرأة: حاضت، وأقرأت: اطَّهَّرت(159).
ومن ذلك فهمه رضي الله عنه من قوله تعالى: +أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ" [النساء: 43]، اللمس هو الجماع فقد قال: اللمس هو الجماع، ولكن الله كنى عنه(160)، وحمل الناس المس في قوله تعالى: +وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً" [البقرة:237] على الخلوة، فقال: المراد بالمس هنا الخلوة(161), فأوجب الصداق كله بالخلوة(162),وقد قال: إذا أرخى سترًا على امرأته وأغلق بابًا وجب الصداق والعدة(163).
6-
فهم النص بنص آخر:ومن ذلك ما فهمه أمير المؤمنين على رضي الله عنه من قوله: +وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً" [النساء:141] أن ذلك يكون يوم القيامة، اعتمادًا على قوله سبحانه وتعالى: +فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [النساء:141]. وذلك لما جاءه رجل يسأله كيف هذه الآية+لَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً" فقال على رضي الله عنه: ادنه، فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً(164)، ومنه ما فهمه من قوله تعالى: +وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ" [الطور:5] بأنه السماء لما رواه ابن جرير وذكره ابن كثير عن على +وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ" يعني السماء. قال سفيان: ثم تلا...+وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ" [الأنبياء:32].
ومن ذلك أيضًا ما فهمه من قوله تعالى: +حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ" [البقرة: 238]، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، معتمدًا في ذلك على نص من حديث رسول الله × يوم الأحزاب:"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا"(165)، ومن هذا الباب أيضًا ما ورد في فهمه لقوله تعالى: +إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا" [النساء:31]. فعن سهل بن أبى خيثمة عن أبيه قال: إني لفى هذا المسجد - مسجد الكوفة- وعلى رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر يقول: يا أيها الناس، الكبائر سبع، فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: لم لا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما هي؟ قال: "الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرب (166) بعد الهجرة(167).وهذا الفهم مبني على حديث رسول الله × الذي قال فيه: "اجتنبوا السبع الموبقات"(168).قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات"(169)، وهذا يدخل ضمن منهج أمير المؤمنين على في تفسير القرآن الكريم بالسنة.
7-
السؤال عن مشكله: ومن منهج أمير المؤمنين على رضي الله عنه في فهم القرآن الكريم سؤاله عما أشكل عليه فيه، ومن ذلك سؤاله لرسول الله × عن يوم الحج الأكبر في قوله تعالى: +وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ" [التوبة:3]. فقد قال: سألت النبي × عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر(170)، وبين أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه هذا المنهج فيما يرويه عن رسول الله ×، قال: قلت: يا رسول الله، إنا نزل بنا أمر ليس فيه بيان أمر ونهي، فما تأمرنا، قال: شاوروا الفقهاء والعابدين، ولا تمضوا فيه خاصة(171).
8-
العلم بمناسبة الآيات:إن العلم بالمناسبة التي نزلت فيها الآيات، والسبب الداعي لذلك؛ يفيد في إدراك معنى الآية، واستنباط الحكم منها، لأن بيان النزول طريق قوى في فهم معاني الكتاب العزيز(172)، ولقد بلغ أمير المؤمنين على رضي الله عنه مبلغًا في العلم بأسباب نزول الآيات، كما يقول عن نفسه حاثًا على سؤاله عن كتاب الله: "سلوني، سلوني، سلوني عن كتاب الله تعالى، فوالله، ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار(173)" وفي رواية:"والله ما أنزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت"(174).
9-
تخصيص العام:العام، هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد دفعه واحدة من غير حصر(175)، وقاعدة العموم، كل لفظ عام باق على عمومه حتى يرد التخصيص(176)، وقد يرد من الشارع ما يدل على قصر العام على بعض أفراده وهذا هو تخصيص العام(177).

وقد ورد عن على رضي الله عنه ما يفيد قوله بتخصيص العموم، فقد سئل رضي الله عنه عن رجل له أمتان أختان وطئ إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى قال: لا..حتى يخرجهما من ملكه(178)، وعن ابن الكواء سأل عليًا عن الجمع بين الأختين فقال: حرمتهما آية وأحلتهما آية أخرى، ولست أفعل أنا ولا أهلي(179). وقصد أمير المؤمنين على بالآية التي حرمتهما هي قوله وتعالى: +وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ" [النساء:23] وبالتي أحلتهما هي قوله تعالى: +إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ" [المؤمنون:6] فهاتان الآيتان بينهما عموم وخصوص، إذ خصص عموم التمتع بملك اليمين بخصوص عدم جواز الجمع بين الأختين(180).
ومنها أنه حكم في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بأن تعتد أبعد الأجلين، فقال: عدتها أبعد الأجلين(181)، أي أنه خص عموم الآيتين +وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" [البقرة: 234]، و + وَأُولاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" [الطلاق:4]، فالحامل المتوفي عنها زوجها إذا وضعت حملها قبل الأربعة الأشهر والعشرة الأيام فإنها تكمل المدة ولا تعمل بعموم الآية الثانية؛ لأن الأولى تخصصها، وإن أكملت المدة فلا تنقضي عدتها إلا بوضع الحمل؛ لأن عموم الآية الأولى مخصص بالثانية، فكل من الآيتين عام في وجه، وخاص في وجه آخر، تخصص إحداهما الأخرى عند على، ولعله عمل بالاحتياط جمعًا بين الآيتين(182)، ولكن الراجح أن عدتها وضع الحمل في كلتا الحالتين، فقد صح عن عبد الله بن عتبة أن سبيعة بنت الحارث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل، فقال لها، مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بنكاح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علىَّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله × فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي(183).
ولعل عليًا قال بذلك لعدم بلوغه حديث سبيعة وإلا فلا يخالف علىّ الصحيح الثابت عن النبي × (184).
10-
معرفة عادات العرب ومن حولهم:ولمعرفة طبيعة وعادات العرب ومن حولهم من اليهود والنصاري وقت نزول القرآن دور كبير في فهم القرآن الكريم، وعلى رضي الله عنه عاش في ذلك الزمان، وعرف الكثير من العادات التي نهى عنها القرآن، أو تلك التي أقرها، ومن أمثلة هذا الفهم ما رواه ابن أبى حاتم: لما نافر ابن وائل أبا الفرزدق، فعقر كل واحد منهما مائة من الإبل، فخرج علىّ على بغلة رسول الله × البيضاء وهو ينادي: "يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله" فعلي رضي الله عنه عرف من عادات العرب في وقته أن مثل هذه المنافرة ليست لله وإنما هي للشيطان، فذلك نهى عنها مستدلاً بقوله تعالى: +حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ"(185) [المائدة:3].
11-
قوة الفهم وسعة الإدراك: وقوة الفهم وسعة الإدراك من المزايا التي امتاز واشتهر بها على رضي الله عنه، والأمثلة التي تدل على هذا كثيرة جدًا نذكر منها ما رواه ابن جرير قال: نادي رجل من الخوارج عليًا رضي الله عنه وهو في صلاة الفجر، فقال: +وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [الزمر:65]، فأجابه على رضي الله عنه وهو في الصلاة + فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ" [الروم:60] (186).

هذه بعض الأصول والأسس التي سار عليها أمير المؤمنين على رضي الله عنه في استنباط الأحكام من القرآن الكريم وفهم معانيه، وهي ترشد محبيه وأبناء المسلمين المخلصين في كيفية التعامل مع كتاب الله سبحانه وتعالى.

سادسًا: تفسير أمير المؤمنين على لبعض الآيات الكريمة:
1-
الذاريات: عن الثوري عن حبيب بن أبى صابت عن أبى الطفيل قال: سمعت ابن الكواء يسأل على بن أبى طالب عن الذاريات ذروًا قال: الرياح، وعن الحاملات وقرًا، قال: السحاب، وعن الجاريات يسرًا، قال: السفن، وعن المدبرات أمرًا قال: الملائكة(187)، وصححه الحاكم من وجه آخر عن أبى الطفيل.
وقد أطنب الطبري في تخريج طرقه إلى على (188)، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن أبى الطفيل قال: شهدت عليًا وهو يخطب وهو يقول: سلوني..وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. فقال ابن الكواء- وأنا بينه وبين على وهو خلفي - فقال: ما الذاريات ذروًا؟ فذكر مثله وقال فيه: ويلك سل تفقهًا ولا تسأل تعنتًا وفيه سؤال عن أشياء غير هذا(189).
2-
قوله تعالى: +فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ" [التكوير:15]: روى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن على قال: هن الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى(190).

3-
بكاء الأرض على العبد الصالح:قال على رضي الله عنه: إذا مات العبد الصالح بكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء والأرض، ثم قرأ + فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ" [الدخان:29].

4-
الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم:سئل أمير المؤمنين على رضي الله عنه عن قوله تعالى: +الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ" [المؤمنون:2]، قال: الخشوع في القلب، وأن تُلين كنفك للمرء المسلم ولا تلتفت في صلاتك(191).

5-
خليلان مؤمنان، وخليلان كافران:س ئل أمير المؤمنين رضي الله عنه عن قول الله تعالى: +الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ" [الزخرف:67]. قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين، فبشر بالجنة فذكر خليله المؤمن، قال: فيقول: يا رب! إنَّ خليلي فلانًا كان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر، فيأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويخبرني أني ملاقيك، فلا تُضله بعدي واهده كما هداني، وأكرمه كما أكرمني، فإذا مات جمع بينهما في الجنة، ويقال لهما: لِيُثْنِ كل واحد منكما على صاحبه فيقول: اللهم كان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر، فيأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويُخبرني أني ملاقيك، فنعم الأخ والخليل والصاحب، قال: ثم يموت أحد الكافرين، فُيبشر بالنار، فيذكر خليله، فيقول: اللهمّ خليلي فلان كان يأمرني بالشر، وينهاني عن الخير، ويأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهمّ فأضله كما أضلَّني، فإذا مات جمع بينهما في النار، فيقال لُيْثن كل واحد منكما على صاحبه قال فيقول: اللهمّ كان يأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويخبرني أني غير ملاقيك، فبئس الأخ والخليل والصاحب(192).
6-
الزهد بين كلمتين من القرآن: قال رضي الله عنه: الزهد كله بين كلمتين من القرآن الكريم: قال سبحانه: +لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" [الحديد:23]. ومن لم ييأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه(193).

7-
أمير المؤمنين على رضي الله عنه وتدبره في الصلاة:بيَّن أمير المؤمنين رضي الله عن استحباب المصلي إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى منها، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله تعالى، فعن عبد خير الهمداني قال: سمعت على بن أبى طالب قرأ في صلاة +سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى" فقال: سبحان ربي الأعلى(194).

وعن حجر بن قيس المدري قال: بت عند أمير المؤمنين على بن أبى طالب، فسمعته وهو يصلى من الليل يقرأ بهذه الآية: + أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ" قال: بل أنت يا رب ثلاثًا، ثم قرأ + أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ"، قال: بل أنت يا رب ثلاثًا، ثم قرأ +أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ( أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ" قال: بل أنت يا رب ثلاثًا، ثم قرأ +أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ" قال: بل أنت يا رب ثلاثًا(195).
8-
قوله تعالى: + يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ( إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" [الشعراء:88، 89]. قال على رضي الله عنه: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام(196).

***
المبحث الرابع
ملازمته لرسول الله ×
كان على رضي الله عنه واحدًا من المكيين الذين قرأوا وكتبوا في مجتمعهم الأمي، وهذا دليل على حبه للعلم وشغفه به منذ صغره، وقد وفقه الله تعالى أن يعيش منذ طفولته في بيت رسول الله ×، فتربي على يديه وزادت عناية رسول الله به بعد إسلامه، فكان رسول الله × الرافد القوى الذي أثر في شخصيته وصقل مواهبه وفجر طاقته، وهذب نفسه، وطهر قلبه ونور عقله، وأحيا روحه، فقد لازم رسول الله × في مكة والمدينة، وقد كان حريصًا على التتلمذ على يدي رسول الله ×، الذي كان يربي أصحابه على القرآن الكريم، فقد كان هو الينبوع المتدفق الذي استمد منه على رضي الله عنه علمه وتربيته وثقافته، وقد كان النبي × تنزل عليه الآيات منجمة على حسب الوقائع والأحداث، وكان يقرؤها على أصحابه الذين وقفوا على معانيها وتعمقوا في فهمها، وتأثروا بمبادئها، وكان له أعمق الأثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم وأرواحهم، كما كان على رضي الله عنه واحدًا من الذين تأثروا بالتربية القرآنية على يدي رسول الله× وتشرّب تعاليمه وتوجيهاته النبوية، وقد اهتم على رضي الله عنه منذ أسلم بحفظ القرآن الكريم وفهمه وتأمله، وظل ملازمًا للرسول × يتلقى عنه ما أنزل عليه حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره، لقد حصل على رضي الله عنه ببركة صحبته لرسول الله × وتربيته على يديه خيرًا كثيرًا، وأصبح من الخلفاء الراشدين فيما بعد، فقد حرص على التبحر في الهدى النبوي الحكيم في غزواته وسلمه، وأصبح لعلي رضي الله عنه علم واسع ومعرفة غزيرة بالسنة النبوية المطهرة، فقد استمد من رسول الله علمًا وتربية ومعرفة بمقاصد هذا الدين العظيم، وقد جمع بين رسول الله وبين على حب شديد، والحب عامل مهم في تهيئة مناخ علمي ممتاز بين المعلم وتلميذه، يأتي بخير النتائج العلمية، والثقافية، لما له من عطاء متجدد، وعلى رضي الله عنه قد أحب رسول الله × حبًا جمًا، وتعلق فؤاده به، وقدم نفسه فداء له، وتضحية في سبيل نشر
دعوته.
أولاً: أمير المؤمنين ومقام النبوة:
أوجب الله سبحانه وتعالى على الثقلين - الإنس والجن - الذين أدركتهم رسالة النبي ×، أن يؤمنوا بالنبي × وبما جاء به، كما شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز، كما أكد الله وجوب الإيمان بنبيه بأن جعله مقترنًا بالإيمان به سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة من القرآن الكريم منها:
قال تعالى: + قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" [الأعراف: 158].
وقال×: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"(197)، وقد أجمعت الأمة على وجوب الإيمان بالنبي ×، كما أجمعت كذلك على أن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد × من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى، كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين من أهل السنة والجماعة وغيرهم(198).
وقد أعطى أمير المؤمنين على رضي الله عنه مقام النبوة حقه وأوضح معالمه بأقواله وأفعاله، وكان يحرص على تعليم الناس وحثهم على الاقتداء برسول الله × في أقواله وأعماله وتقريراته، ومن أقواله في هذا المعنى: واقتدوا بهدى نبيكم ×، فإنه أفضل الهدى واستنوا بسنته فإنها أفضل السنن(199).
1-
وجوب طاعة النبي × ولزوم سنته والمحافظة عليها: تربي أمير المؤمنين علىّ على وجوب طاعة رسول الله ×، فهو ممن قرأ وحفظ وفهم قوله الله تعالى: +مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ" [النساء:80]، فهذه الآية ضمن سلسلة من الآيات ربطت بين طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة الرسول ×، فقد جعل الله طاعته وطاعة رسوله شيئًا واحدًا، وجعل الأمر بطاعة رسوله مندرجًا في الأمر بطاعته سبحانه وتعالى، وفي ذلك بيان للعباد بأن طاعته سبحانه لا تتحقق إلا بطاعة الرسول×، والآيات الواردة بهذا المعنى كثيرة، (200) وقد تربى أمير المؤمنين على يدي رسول الله ×، وعلم منه وجوب طاعته وامتثال أمره واتباع ما جاء به والسير على سنته والاقتداء به في كل ما جاء به عن ربه عز وجل، وأحاديثه× في هذا المجال أعطت للأمة توجيهات عظيمة متى ساروا عليها وامتثلوا ما فيها واستناروا بها، فقد تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا بإذن الله تعالى، وقد امتازت الأحاديث في هذا الشأن بكثرتها وتنوع عباراتها وتعدد أساليبها واشتمال بعضها على الأمثلة التي ضربها رسول الله × لأمته في هذا الشأن، ومما لا شكل فيه أن هذه المميزات زادت الأمر توكيدًا وتوضيحًا وبيانًا، بحيث إنها لم تدع مجالاً لمتأول يؤولها أو محرف يغير معناها بهواه ورأيه الفاسد، وهذه الأحاديث على تنوع عباراتها وتعدد أساليبها اتحدت جميعها في مضمون واحد وهو التأكيد على وجوب طاعته×، واتباع ما جاء به من الترغيب في ذلك إضافة إلى التحذير من مخالفته، وتحريم معصيته وبيان الوعيد الشديد في ذلك(201)، فمن هذه الأحاديث قوله ×: "كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"(202), طاعة الرسول × هى الانقياد لسنته، مع رفض قول كل من قال شيئًا في دين الله عز وجل بخلاف سنته، دون الاحتيال في دفع السنن بالتأويلات المضمحلة والمخترعات الداحضة(203).
وقد كان أمير المؤمنين على من أحرص الصحابة على طاعة رسول الله×، فقد قال رضي الله عنه: "ما كنت لأدع سنة النبي × لقول أحد"(204)، وقال أيضًا: "ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلىَّ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة محمد × ما استطعت".وهو نموذج فريد بالتمسك بالسنة والالتزام بها والدعوة لها(205)، ومن هذا المفهوم والتصور الواضح لأهمية طاعة الرسول × واتباع سنته انطلقت أفعال أمير المؤمنين على رضي الله عنه. وكان رضي الله عنه يعتني بالسنة ويتحرى ويتثبت في روايتها وفي أخذها رضي الله عنه، فقد قال رضي الله عنه: "إذا حدثتكم عن رسول الله×، فلئن أخرَّ من السماء أحَبُّ إلىَّ من أكذب عليه"(206), وقال رضي الله عنه: "كنت إذا سمعت من رسول الله × حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته"(207).
وكان أمير المؤمنين على رضي الله عنه يحارب ما يناقض الاتباع، فقد قال رضي الله عنه: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه".
2-
حديث أمير المؤمنين على رضي الله عنه عن دلائل نبوة الرسول ×: بيَّن أمير المؤمنين على رضي الله عنه بعضًا من دلائل نبوة النبي × منها ما يلي:

(أ) بركة دعائه: مرض على رضي الله عنه مرة فأتاه النبي × وهو يقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحنى، وإن كان متأخرًا فارفعني، وإن كان البلاء فصبرني. فقال له رسول الله ×: ما قلت؟ فأعاد عليه. فقال رسول الله ×،: "اللهم اشفه، اللهم عافه"، ثم قال: قم. فقمت، فما عاد لي ذلك الوجع بعده(208),وسيأتي الحديث بإذن الله تعالى عن دعاء رسول الله له في خيبر.
(ب) إخباره بما فتح الله على نبيه من أمور الغيب: قال على بن أبى طالب رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله × فلئن أخر من السماء أحب إلىَّ من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة"(209), سمعت رسول الله × يقول: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في فتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة"(210)، وسيأتي شرح هذا الحديث وغيره عند حديثنا عن الخوارج وموقف أمير المؤمنين على منهم بإذن الله تعالى.
(ج) النصر بالرعب: ومن دلائل النبوة التي حدثنا بها على رضي الله عنه ما رواه عن رسول الله × حيث قال: "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا وجعلت أمتى خير الأمم"(211).
(د) خاتم النبوة: وضح على رضي الله عنه من جملة وصفه لرسول الله × وجود دلالة من أبرز الدلائل الحسية على نبوته × حيث يقول: بين كتفيه خاتم النبوة (212). وهذه العلامة كان أهل الكتاب يعرفونه بها، وهى شيء بارز أحمر عند كتفه الأيسر، قدره إذا قُلل قدر بيضة الحمامة، وإذا كبر جمع اليد(213).
(هـ) سلام الجبال على النبي ×: أخبر أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه عن هذه الدلالة حيث قال: كنت مع النبي × بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل، ولا شجر، إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله(214).
3-
الترغيب في هدى النبي ×:كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه يرغب المسلمين في لزوم هدى النبي ×، فقد قال في خطبة له في الربذة(215): "الزموا دينكم واهتدوا بهدى نبيكم، واتبعوا سنته، واعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره فردوه"(216)، وبعد رجوع أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه من قتال الخوارج خطب أصحابه خطبة بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر، وقد ضمن هذه الخطبة الأمر بالتزام هدى النبي × والترغيب فيه، حيث يقول: "واقتدوا بهدى نبيكم ×، فإنه أفضل الهدى، واستنوا بسنته فإنها أفضل السنن"(217)، ولم تشغل الفتن الداخلية أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه والتي حصلت في عهده، عن دعوة أصحابه إلى كل خير، ونهيهم عن كل شر(218)، وتحذيرهم من البدع، ومن قوله في هذا الشأن: "إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها، وكل محدثة بدعة، وكل محدث مبتدع، ومن ابتدع فقد ضيع، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة"(219).
4-
بيان فضله وبعض حقوقه على أمته ×: بيَّن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه في معرض حديثه للمسلمين فضائل النبي× ومما قاله في هذا المجال: "فكان مما أكرم الله به عز وجل هذه الأمة، وخصهم به من الفضيلة أن بعث إليهم محمدًا ×، فعلمهم الكتاب والحكمة والفرائض والسنة لكيما يهتدوا، وجمعهم لكيما لا يتفرقوا، وزكاهم لكيما يتطهروا، ورفههم لكيما لا يجوروا، فلما قضى من ذلك ما عليه، قبضه الله عز وجل صلوات الله عليه ورحمته وبركاته"(220). وإليك بعض حقوقه×:

(أ) وجوب الصدق عنه والتحذير من الكذب عليه: حذر أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه من الكذب على رسول الله، فعن ربعي بن حراش قال: سمعت على بن أبى طالب يقول: قال النبي ×: "لا تكذبوا علىَّ فإنه من كذب علىّ فليلج النار"، وحذر أمير المؤمنين على رضي الله عنه من نقل الكذب- وهو يعلم أنه كذب - فيما يرويه عن النبي × قال: "من حدث عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"(221).
(ب) البعد عن أسباب تكذبيه: أرشد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه الناس إلى البعد عن الأمر الذي يكون سببًا في تكذيب رسول الله ×، كتحديث الناس بما لا تدركه عقولهم من أقوال رسول الله ×، فقد قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"(222), ومعنى الحديث: بما يعرفون: أي يفهمون، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن ونحوه عن حذيفة، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوى البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب(223).
(ج) إحسان الظن بحديث رسول الله ×: قال أمير المؤمنين على رضي الله عنه: إذا حُدّثتم عن رسول الله × حديثًا فظنوا به هو أهناه وأهداه وأتقاه(224).
(د) الصلاة عليه: قال تعالى: + إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ(225) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [الأحزاب:56].
وهذا إخبار من الله سبحانه وتعالى بمنزلة عبده ونبيه في الملأ الأعلى، بأنه يثنى عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلى عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوى والسفلي جميعًا(226)، ويؤكد أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه هذا الحق لرسول الله × بوصف من لم يصلَّ على رسول الله عند سماع ذكره بالبخل، فيما يرويه عن رسول الله ×، حيث قال: "البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علىَّ"(227).
(هـ) محبته لرسول الله ×: قال تعالى: + قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" [التوبة: 24]. فالآية نصت على وجوب محبة الله ورسوله، وأن تلك المحبة يجب أن تكون مقدمة على كل محبوب، ولا خلاف في ذلك بين الأمة(228)، وقال تعالى: +قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [آل عمران:31]. ففي هذه الآية إشارة ضمنية إلى وجوب محبة النبي ×، لأن الله تبارك وتعالى قد جعل برهان محبته تعالى ودليل صدقها هو أتباع النبي ×، وهذا الأتباع لا يتحقق ولا يكون إلا بعد الإيمان بالنبي ×، والإيمان به لابد من تحقق شروطه التي منها محبة النبي ×، فعن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله × قال: "فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده"(229) ومما لا ريب فيه أن حظ الصحابة من حبه× كان أتم وأوفر، ذلك أن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره × ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم، فبالتالي كان حبهم له× أشد وأكبر(230)، وقد سئل أمير المؤمنين على رضي الله عنه: كيف كان حبكم لرسول الله ×؟ قال: كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ(231)، وهذه الخصوصية المطلقة ليست لأحد غير رسول الله ×.
5-
المعرفة الدقيقة الشاملة لملامح الشخصية النبوية: لقد ساعدت الصلة الأسرية، والمعايشة الطويلة القريبة، والتتبع الدقيق لما خص الله به نبيه من نفسية نبوية، ومكارم أخلاق وميول واتجاهات، أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه على معرفته الدقيقة الشاملة للشخصية النبوية وخصائصها والقدرة على وصفها، والتنويه بجوانب دقيقة في سيرته وخلقه، يلاحظ ذلك فيما روى عنه من وصف رسول الله وحليته وخلقه وسلوكه(232).
(أ) بيان خَلْقه: قال أمير المؤمنين على رضي الله عنه: "كان رسول الله × ليس بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين(233) والقدمين، مشرب وجهه حمرة، طويل المْسْرُبة(234), ضخم الكراديس(235)، إذا مشى تكفَّأ تكفَّؤًا، كأنما ينحط من صبب(236)، لم أر قبله ولا بعد مثله×(237)، وعن محمد بن على عن أبيه قال: كان رسول الله × ضخم الرأس، عظيم العينين، هَدِب الأشفار(238) - قال حسن(239): الشفار- مُشرب العينين بحمرة، كث اللحية، أزهر اللون، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تكفأ كأنما يمشي في صعد، وإذا التفت التفت جميعًا(240)، وعند الترمذي عن محمد من ولد على بن أبى طالب رضي الله عنه قال: كان على رضي الله عنه إذا وصف النبي × قال: "لم يكن بالطويل الممغط(241), ولا بالقصير المتردد(242)، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط(243)، ولا بالسبط، كان جعدًا رجلاً، ولم يكن بالمطهم(244) ولا بالمكلثم(245)، وكان في الوجه تدوير، أبيض مشرب، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع، كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التف(246) معًا.
"كما أن على بن أبى طالب رضي الله عنه بين صفة من صفات جسد النبي × بعد موته، وأمرًا لم يعرفه غيره - ربما من كان يغسله معه(247) - حيث يقول: غسلت رسول الله ×، فجعلت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيبًا حيًا وميتًا ×(248)، وكان على رضي الله عنه يقول وهو يغسله: بأبى أنت وأمي، ما أطيبك حيًا وميتًا(249).
(ب) بيان خُلُقِه: تحدث أمير المءمنين على رضي الله عنه عن أخلاق النبي ×، فقال: "كان أجود الناس كفًا، وأشرحهم صدرًا وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة(250)، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله"(251)، وأخبرنا عن شجاعة الرسول ×، وقوة بأسه، وأن عليًا ومن كان معه مع شجاعتهم أيضًا وقوة بأسهم التي سطرتها أخبار المغازي، كانوا إذا اشتدت الحرب يلوذون برسول الله ×، فيقول على رضي الله عنه: "لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ×، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا"(252)، وفي رواية أخرى: كنا إذا احمر البأس، ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله×، فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه(253)، وبين على رضي الله عنه من أخلاق رسول الله × من الرحمة والكرم، والشجاعة والتواضع، ما ورد في وصفه لرسول الله × لليهود الذين طلبوا منه ذلك حيث يقول: كان أرحم الناس بالناس؛ لليتيم كالأب الرحيم، واللأرملة كالكريم، أشجع الناس، وأبذلهم كفًا، وأصبحهم وجهًا، لباسه العباء وطعامه خبز الشعير، وإدامه اللبن، ووساده الأدم محشو بليف النخل، سريره أم غيلان مرمل بالشريف(254)، كان له عمامتان إحداهما تدعي السحاب(255)، والأخرى العقاب، وكان سيفه ذا الفقار(256)، ورايته الغراء وناقته العضباء(257)، وبغلته دلدل(258)، وحماره يعفور، وفرسه مرتجز(259)، وشاتهن بركة، ولواؤه الحمد، وكان يعقل البعير ويعلف الناضح(260)، ويرقع الثوب، ويخصف النعل(261).
6-
نماذج من اتباع أمير المؤمنين للسنة: كان أمير المؤمنين على شديد الحرص على الاقتداء بالنبي ×، وحياته العملية خير دليل على ذلك، وهذه بعض الأمثلة المتنوعة التي كان يتبع فيها النبي ولا يفرق بين صغيرة ولا كبيرة:

- دعاء الركوب على الدواب: عن عبد الرزاق: أخبرني من شهد عليًا حين ركب، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلما استوى قال: الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم حمد ثلاثًا وكبر ثلاثًا، ثم قال: اللهم لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، قال، فقيل: ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت النبي × فعل مثل ما فعلت، وقال مثل ما قلت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحك يا نبي الله؟ قال: العبد - أو قال: عجبت للعبد- إذا قال: لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو(262).
- الشرب قائمًا، وقاعدًا:عن عطاء بن السائب عن زادان: أن على بن أبى طالب شرب قائمًا، فنظر إليه الناس كأنهم أنكروه، فقال: ما تنظرون؟ (263) إن أشرب قائمًا، فقد رأيت النبي × يشرب قائمًا، وإن أشرب قاعدًا، فقد رأيت النبي × يشرب قاعدًا(264).
- تعليم وضوء رسول الله ×: عن عبد خير: علمنا علىّ وضوء رسول الله ×، فصب الغلام على يديه حتى أنقاهما، ثم أدخل يده في الركوة، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا ثلاثًا، وذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم أدخل يده في الركوة فغمز أسفلها بيده ثم أخرجها فمسح بها الأخرى، ثم مسح بكفيه رأسه مرة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثًا ثلاثًا، ثم اغترف هُنّية من ماء بكفه فشربه، ثم قال: هكذا كان رسول الله يتوضًا(265).
- نهى رسول الله × لعلي عن أشياء: عن عبد الله بن حنين عن أبيه، قال: سمعت على ابن أبى طالب يقول: نهاني رسول الله × عن تختم الذهب، وعن لُبس القَسِّ والمعصفر، وقراءة القرآن وأنا راكع، وكساني حلة من سيراء فخرجت فيها، فقال: يا على، إني لم أكسكها لتلبسها، قال: فرجعت بها إلى فاطمة، فأعطيتها ناحيتها فأخذت بها لتطويها معي، فشققتها بثنتين قال: فقالت: تربت يداك يا ابن أبى طالب، ماذا صنعت؟ قال: فقلت لها: نهاني رسول الله × عن لبسها، فالبسي واكسي نساءك(266).
- الذنوب والمغفرة: عن على رضي الله عنه قال: قال رسول الله ×: "من أذنب في الدنيا ذنبًا فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستر الله عليه، وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه"(267).
- إنما الطاعة في المعروف:عن على رضي الله عنه: أن رسول الله × بعث جيشًا، وأمر عليهم رجلاً، فأوقد نارًا، فقال: ادخولها! فأراد ناس أن يدخلوها، وقال آخرون: إنما فررنا منها، فذكر ذلك لرسول الله×، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: "لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة". وقال للآخرين قولاً حسنًا، وقال: لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف(268)، والحديث يبين بأن الطاعة للحكام مقيدة بطاعة الله ورسوله، والطاعة المطلقة ليست لأحد إلا لله ورسوله×.
- لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف: دخل أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري على علىَّ بن أبى طالب، فقال له علىّ: أنت الذي تقول:" لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حىّ اليوم"، والله إن رخاء هذه الأمة بعد مائة عام(269).
- دعاء الرسول × لأهل المدينة بالبركة: عن على بن أبى طالب رضي الله عنه، أنه قال: خرجنا مع رسول الله ×، حتى إذا كنا بالحرة بالسُّقيا التي كانت لسعد بن أبى وقاص، قال رسول الله ×: "ائتوني بوَضوء"، فلما توضأ قام فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم قال: "اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك دعا لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مُدهم وصاعهم مثل ما باركت لأهل مكة، مع البركة بركتين"(270).
- دعاء الكرب: عن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال: "علمني رسول الله × إذا نزل بي كرب أن أقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله، وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين"(271). والحديث يرشد إلى ضرورة التعلق بالله وحده والاعتماد عليه والالتجاء إليه، فلا يكشف الكرب إلا هو سبحانه، ولا يجيب المضطر إذا دعاه إلا الذي خلقه، فلا ملجأ من الله إلا إليه، ففيه إرشاد وتعليم إلى كل مسلم بأن يعتمد على الله في كل أحواله وشأنه.
- ما أسر إلىَّ شيئًا كتمه الناس: عن أبى الطفيل قال: قلنا لعلي: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله ×. فقال: ما أسر إلىَّ شيئًا كتمه الناس، ولكن سمعته يقول: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثًا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غيَّر تخوم الأرض, يعني المنار(272)، ففي قوله ×: لعن الله: اللعن من الله: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، قوله: من ذبح لغير الله: يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي أو ملك، أو جنى أو غيرهم، فلو كانت هذه الأمور هينة في دين الله لما وصلت إلى درجة يستحق فاعلها اللعن من
رسول الله ×.
- إن الله رفيق يحب الرفق:عن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ×: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف"(273).
- تعجيل الصدقة(274) قبل أن تحل:عن على أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي × في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك(275).
- العشر الأواخر من رمضان:عن على رضي الله عنه، قال: كان رسول الله يوقظ أهله في العشر الأواخر، ويرفع المئزر(276).
ثانيًا: الرواة عن على بن أبى طالب رضي الله عنه:
كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه أعلم الصحابة بالسنة في عهده، إذ روى أنه ذكر على عند عائشة، فقالت: أما أنه أعلم من بقي في السنة (277)، ومع ذلك فقد روى عن النبي × خمسمائة وستة ثمانين حديثًا(278)، وهو أقل مما رواه بعض الصحابة عن النبي × لأسباب منها.
1-
انشغاله بالقضاء والإمارة والحروب التي جعلته لا يتفرغ للفتيا وعقد حلقات الدروس التي كانت سببًا في انتشار عمل بعض الصحابة، كعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس.

2-
ظهور أهل الأهواء والبدع من الذين أفرطوا فيه والذين فرطوا به كان سببًا في كثرة الكذب عليه، لذلك بذل العلماء جهدهم في معرفة صحة الطرق الموصلة إليه.

3-
كثرة الفتن في زمانه وانشغال بعض الناس بها حال دون ثقته رضي الله عنه بمن يضع فيه علمه، إذا رُوى عنه أنه قال: إن هاهنا علمًا لو أصبت له حملة(279).

وقد لاحظنا في منهج أمير المؤمنين في الرواية وقبول الحديث ما يأتي:
1-
الحذر من الكذب على النبي × إذ هو أحد الرواة لقوله ×: "من كذب علىّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"(280).

2-
الاستيثاق من الرواية فإنه كان يحلف الراوى عليها، فقد روى أنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله × حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وكان إذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف صدقته(281).

3-
عدم رواية المنكر والشاذ من الحديث، إذ ورد عنه أنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله(282)، وقد روى على رضي الله عنه عن أبى بكر وعمر والمقداد بن الأسود وزوجته فاطمة.

وروى عن على خلق كثير من الصحابة والتابعين وأهل بيته، فمن أشهر من روى عنه من الصحابة:
1-
أبو أمامة إياس بن ثعلبة الأنصاري: من بنى حارثة، وهو ابن أخت أبى بردة، له عن النبي × ثلاثة أحاديث، وهو الذي أمره الرسول × أن يقيم على أمه يوم بدر(283).

2-
أبو رافع القبطي مولى رسول الله × يقال اسمه إبراهيم، وقيل: سنان، وقيل: يسار، قال ابن عبد البر: أشهر ما قيل في اسمه أسلم، مات في عهد على بن أبى طالب سنة 40هـ(284).

3-
أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة الأنصاري، خرج مع رسول الله × وهو ابن خمس عشرة سنة توفى سنة 74هـ(285).

4-
جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب الأنصاري السلمى، شهد صفين مع على وتوفى 78هـ، وكان من الحفاظ للسنن.

5-
جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب العامري السوائي حليف بني زهرة، وأمه خالدة بنت أبى وقاص، يكنى: أبا عبد الله، قال: صليت مع رسول الله أكثر من ألفى مرة، نزل الكوفة وتوفى بها سنة 74هـ(286).

6-
زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان قيل: كنيته أبو عمر، وقيل أبو عامر، مات بالكوفة سنة66هـ، وقيل 68هـ.

7-
عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ابن أخي على، ولد بأرض الحبشة، وهو أول مولود في الإسلام توفى سنة 80هـ، وهو ابن تسعين سنة(287).

8-
عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى، أسلم مع أبيه قبل أن يبلغ الحلم, توفى في مكة، سنة 63هـ،وهو ابن أربع وثمانين(288).

9-
عبد الله بن مسعود بن غافل بن وائل الهذلي من أوائل المسلمين توفى 32هـ (289).

10-
عمرو بن حريث بن عثمان القرشي المخزومي يكنى أبا سعيد، رأى النبي × وسمع منه ومسح على رأسه ودعا له بالبركة، نزل الكوفة وكان له قدر وشرف، مات سنة 85هـ(290).

- من روى عنه من أهل بيته: روى عنه من أهل بيته كل من:
1-
ولده الحسن بن على سبط رسول الله ×.

2- ولده الحسين بن على سبط رسول الله × قتل يوم عاشوراء سنة 61هـ وهو ابن 56سنة (291).
3-
ولده محمد بن على بن أبى طالب أبو القاسم المدني المعروف بابن الحنفية، نسبة إلى أمه خولة بنت جعفر بن قيس من بنى حنيفة، قال العجلي: تابعي ثقة كان رجلاً صالحًا يكنى أبا القاسم، ولد في ولاية عمر ومات سنة 73، وقيل 80، وقيل 81، وقيل 82، وقيل 93هـ(292).

4-
حفيده محمد بن عمر بن على بن أبى طالب ذكره ابن حبان في الثقات(293).

5-
حفيده على بن الحسين بن على بن أبى طالب الملقب بزين العابدين من سادات التابعين، وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس، أرسل عن جده على بن أبى طالب. قال العجلي: مدني تابعي ثقة، توفى سنة 94هـ، وكان عمره ثمان وخمسين سنة(294).

6-
ابن أخته جعدة بن هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم وأمه أم هانئ بنت أبى طالب، ولد على عهد النبي × وله صحبة، ولي خراسان، وسكن الكوفة، قال العجلي: مدني تابعي ثقة روى عن على (295).

7-
سريته أم موسى، قيل اسمها فاختة، وقيل حبيبة، قال الدارقطني: حديثها مستقيم، وقال العجلي: كوفية تابعية ثقة(296).

- أشهر من روى عن على من التابعين:
1-
أبو الأسود الدؤلي البصري، القاضي، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال اسمه عمرو بن عثمان، ويقال عثمان بن عمرو، أسلم على عهد النبي × وقاتل مع على يوم الجمل، وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، وتوفى في ولاية عبيد الله بن زياد سنة 69(297).

2-
أبو بردة بن موسى الأشعري الفقيه، واسمه الحارث، وقيل عامر، وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان، وقال العجلي: كان على قضاء الكوفة بعد شريح، روى عن أبيه وعلى وحذيفة وعبد الله بن سلام وعائشة وغيرهم، قيل: مات سنة 83 وقيل 104، وقيل 107هـ(298).

3- أبو عبد الرحمن السلمى عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمى الكوفي القارئ، ولأبيه صحبة، وثقه العجلي والنسائي وأبو داود، روى عن عمر وعثمان وعلى وسعد، وخالد بن الوليد وابن مسعود وحذيفة وغيرهم، قيل مات سنة 72هـ، وقيل 85، وهو ابن خمس وثمانين سنة، شهد مع على صفين(299).
4-
زر بن حبيش بن حبابة بن أوس الأسدي أبو مريم، ويقال أبو مطرف الكوفي، ذكر ابن معين أنه ثقة، مات سنة 81هـ، وقيل 82 وقيل83 وهو ابن مائة وعشرين(300).

5-
زيد بن وهب الجهنى من قضاعة، يكنى أبا سليمان، من أجلة التابعين وثقاتهم متفق على الاحتجاج به، وثقه ابن معين وغيره، ومات قبل سنة تسعين أو بعدها من ولاية الحجاج(301).

6-
سويد غفلة بن عوسجة بن عامر يكنى أبا أمية، رحل إلى رسول الله ×، وقد قبض فلم يره، صحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا، مات سنة 81 أو 82هـ وكان عمره 128سنة(302).

7-
شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المذحجي ابن المقدام الكوفي، أدرك ولم ير، وهو من كبار أصحاب على، قتل مع أبى بكرة بسجستان سنة 78هـ(303).

8-
عامر بن شرحبيل بن عبد، وقيل عامر بن عبد الله بن شرحبيل الشعبي والحميري أبو عمرو الكوفي من شعب همدان، روى عنه أنه قال: أدركت خمسمائة من الصحابة، وعن الحسن، قال: كان والله كثير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم من الإسلام بمكان، وعن مكحول قال: ما رأيت أفقه منه. قال ابن عيينة، كانت الناس تقول بعد الصحابة ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه، ولد لست خلت من خلافة عمر ومات

سنة 109هـ.
9-
عبد خير بن يزيد ويقال ابن بجيد بن جوى بن عبد عمرو بن عبد يعرب بن الصائد الهمداني أبو عمارة الكوفي، أدرك الجاهلية، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكر ابن حبان في ثقات التابعين، قيل: عاش مائة وعشرين سنة، وقتل في صفين(304).

10- عبد الرحمن بن أبى ليلى واسمه يسار ويقال بلال، ويقال داود بن بلال بن بليل ابن أصحبة بن الجلاح الحريش الأنصاري الأوسى، ولد لست بقين من خلافة عمر، روى عنه أنه قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار، وثقه ابن معين والعجلي. قيل إنهم أصيب سنة 71هـ وقيل 82 بالجماجم(305).
11-
عبيدة السلماني وهو عبيدة بن عمرو، ويقال ابن قيس عمرو السلماني المرادي أبو عمرو الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي × بسنتين ولم يلقه، قال الشعبي: كان شريح أعلمهم بالقضاء وكان عبيدة يوازيه، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة(306).

12-
عبد الله بن سلمة بن سلمة المرادي الكوفي، صاحب على، كنيته أبو العالية، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وعن عمرو بن مرة: يعرف وينكر، كان قد كبر، وقال يعقول بن شيبة: ثقة(307).

13-
عبد الله بن شقيق العقيلي، وكنيته أبو عبد الرحمن ويقال أبو محمد البصري، تابعي من أهل البصرة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وعن ابن معين أنه ثقة من خيار المسلمين لا يطعن في حديثه، وروى أنه كان مستجاب الدعوة، مات بعد المائة وقيل سنة 108هـ(308).

14-
علقمة بن قيس النخعي وهو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة النخعي الكوفي، ولد في حياة الرسول ×، وعن أحمد: ثقة من أهل الخير، وعن ابن معين: روى أنه قرأ القرآن في ليلة، مات سنة 62، وقيل61، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.

15-
عمر بن سعيد النخعي الصهباني، أبو يحيى الكوفي، عن ابن معين:ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، له حديث عن على في حد شارب الخمر، قال ابن سعد: مات سنة 115، وقيل 107هـ(309).

16- هانئ بن هانئ الهمذاني الكوفي، قال النسائي: ليس به بأس، ذكره ابن حبان في الثقات، وقيل كان يتشيع، قال ابن المديني: مجهول، قال ابن سعد: كان منكر الحديث، وعن الشافعي: أهل الحديث لا ينسبون حديثه لجهالة حاله، ذكره ابن سعد في الطبقات الأولى في الكوفة، قال الذهبي: ليس به بأس(310).
17-
يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، وعن يحيى بن معين: ثقة ذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن سعد: كان ثقة وكان عريف قومه، يقال إنه أدرك الجاهلية، روى عن عمر وعلى وأبى ذر وابن مسعود وحذيفة(311).

هذا إشارات عابرة عن الرواة عن على رضي الله عنه، لمن أراد المزيد، فليراجع رسالة الدكتور أحمد محمد طه "فقه الإمام على بن أبى طالب" المقدمة في جامعة بغداد ولم تنتشر حتى الآن.






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
رد مع اقتباس
قديم 12-18-2010, 03:08 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

المبحث الخامس
أهم أعمال على بن أبى طالب رضي الله عنه
ما بين الهجرة والأحزاب
شرع رسول الله × بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم الدولة الإسلامية، فآخي بين المهاجرين والأنصار، ثم أقام المسجد، وأبرم المعاهدة مع اليهود وبدأت حركة السرايا، واهتم بالبناء الاقتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد، وكان على رضي الله عنه ملازمًا له في كل أحواله، منفذًا لأوامره، متتلمذًا على هدية.
أولاً: حركة السرايا:
بمجرد الاستقرار الذي حصل للمسلمين بقيادة الرسول × في المدينة بدأت حركة السرايا التي استهدفت بسط هيبة الدولة في الداخل والخارج، وكسب بعض القبائل وتحجيم دور الأعراب، وتربية الصحابة على الإعداد القتالي للغزوات الكبرى، وحركة الفتوحات ميدان لصناعة القادة عمليًا، وقد شارك في هذه السرايا أمير المؤمنين على رضي الله عنه التي حدثت قبل بدر وما بعدها، وأما التي شارك فيها قبل غزوة بدر الكبرى فمنها:
1-
غزوة العشيرة(312): وفيها غزا × قريشًا، واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وسميت هذه الغزوة بغزوة العشيرة، فأقام بها جمادي الأولى وليالي من جمادي الآخرة، وادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدًا، وذلك أن العير التي خرج لها قد مضت ذلك بأيام ذاهبة إلى الشام(313), فساحلت على البحر، وبلغ قريشًا خبرها فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله × ووقعت عزوة بدر الكبرى(314), وقد حدثنا عمار بن ياسر عن مشاركته وعلى رضي الله عنهما في تلك الغزوة، فعن عمار ابن ياسر قال: كنت أنا وعلى رفيقين في غزوة ذى العشيرة، فلما نزلها رسول الله × وأقام بها رأينا ناسًا من بنى مدلج يعملون في عين لهم في نخل، فقال لي على: يا أبا اليقظان هل لك أن تأتي هؤلاء فتنظر كيف يعملون؟ فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلى، فاضطجعنا في صور من النخل، في دقعاء(315) من التراب فنمنا، فوالله ما أهبنّا إلا رسول الله × يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله × لعلي: يا أبا تراب، لما رأى عليه التراب قال: "ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين؟" فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: "أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا على على هذه [يعنى قرنه] حتى تُبَل منه هذه [يعنى لحيته]" (316),وقد تكرر نداء رسول الله لعلي بأبي تراب وسيأتي الحديث عنه.
2-
غزوة بدر الأولى: سببها:
أن كرز بن جابر الفهري، قد أغار على سَرْح(317) المدينة ونهب بعض الإبل والمواشي، فخرج رسول الله × في طلبه، حتى بلغ واديًا يقال له "سفوان" من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، فلم يدركه، فرجع رسول الله × إلى المدينة(318), وقد أعطى الحبيب المصطفى أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه لواءه الأبيض(319).وتعتبر حركة السرايا بداية الجهاد القتالي ضد أعداء الدعوة، مع حركة السرايا والبعوث والغزوات التي خاضها رسول الله × ضد المشركين ظهرت جليًا سنة التدافع التي تعامل معها النبي × وأصحابه ومن بينهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وهذه السنة متعلقة تعلقًا وطيدًا بالتمكين لهذا الدين، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه العزيز وجاء التنصيص عليها في قوله تعالى: + وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [البقرة:251]، وفي قوله تعالى: + الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" [الحج:40].

ثانيًا: غزوة بدر:
1-
قال النووي رحمه الله: وأجمع أهل التواريخ على شهوده بدرًا، وسائر المشاهد غير تبوك، قالوا: وأعطاه النبي × اللواء في مواطن كثيرة(320).

كان على بن أبى طالب رضي الله عنه أحد المجاهدين الذين شاركوا في غزوة بدر، ولنتركه يقص علينا خبر هذه الغزوة، فعن حارثة بن مضرب بن على أبى طالب رضي الله عنه قال: وكان النبي × يتخبَّر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا، سار رسول الله × إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم، رجلاً من قريش ومولى لعقبة بن أبى معيط، فأما القرشي فانقلب، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي ×، فقال له: كم القوم؟ قال: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجهد النبي × أن يخبره كم هم، فأبى، ثم إن النبي× سأله: "كم ينحرون من الجزر"، فقال: عشرًا كل يوم، فقال رسول الله ×: "القوم ألف، كل جزور لمئة وتبعها"، ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فأنطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها، من المطر، وبات رسول الله× يدعو ربه عز وجل يقول: "اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد"، قال: فلما طلع نادى: الصلاة عباد الله، فجاء الناس، من تحت الشجرة والحجف، فصلى بنا رسول الله ×، وحرض على القتال، ثم قال: إن جمع قريش تحت هذه الصَّلع الحمراء من الجبل. فلما دنا القوم منا وصاففناهم، إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله ×: يا على ناد حمزة. وكان أقربهم من المشركين: من صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله ×: "إن يكن في القوم أحد يأمر بخير، فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر"، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهي عن القتال، ويقول لهم: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي، وقولوا: جَبُن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم، قال، فسمع ذلك أبو جهل، فقال: أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته، قد ملئت رئتك وجوفك رعبًا. قال عتبة: إياى تُعيّر يا مُصفَّر إسته؟ ستعلم اليوم أينا الجبان. قال: فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن يبارزنا من بنى عمنا، من
بنى عبد المطلب، فقال رسول الله ×: "قم يا على، قم يا حمزة، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب". فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابنى ربيعة، والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبلق، ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: اسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم.فقال على: فأسرنا من بنى عبد المطلب: العباس وعقيلاً، ونوفل بن الحارث(321)، ومن وصف على رضي الله عنه لغزوة بدر نلاحظ دروسًا وعبرًا وفوائد كثيرة يمكن الرجوع إليها في كتابي السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث.

2-
ما قيل من أشعار في بطولة على ببدر: كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة فقتله على رضي الله عنه، فقال الحجاج بن علاط السلمي في ذلك:

لله أي مذنب عن حربه
أعنى ابن فاطمة المعم المخولا
جادت يداك له بعاجل طعنة
تركت طليحة للجبين مجندلا
وشددت شدة باسل فكشفتهم
بالحق إذ يهوون أخول أخولا
وعللت سيفك بالدماء ولم تكن
لترده حران حتى ينهلا(322)

ثالثًا: زواج على من فاطمة رضي الله عنهما:
هي فاطمة بنت إمام المتقين سيد ولد آدم رسول الله×، وأمها خديجة بنت خويلد، كانت تكنى بأم أبيها(323), ولُدت رضي الله عنها قبل البعثة سنة خمسة وثلاثين من مولد النبي × (324), زوجها النبي × على بن أبى طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر، وولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم، وكانت وفاتها بعد وفاة النبي × بستة أشهر فرضى الله عنها وأرضاها(325).
1-
مهرها وجهازها: قال على بن أبى طالب رضي الله عنه: خُطبت فاطمة إلى رسول الله × فقالت مولاة لي: هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله ×؟ قلت: لا، قالت: فقد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله × فيزوجك. فقلت: وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت: إنك إن جئت رسول الله × زوجك. قال: فوالله ما زالت ترجينى حتى دخلت على رسول الله ×، فلما أن قعدت بين يديه أفحمت، فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة. فقال رسول الله ×: "ما جاء بك؟ ألك حاجة؟" فسكت فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة؟ فقلت: نعم، فقال: وهل عندك من شيء تستحلها؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، فقال: ما فعلت درع سلحتكها؟فوالذي نفس على بيده إنها لحطمية ما قيمتها أربعمائة درهم، فقلت: عندي، فقال: قد زوجتكها، فابعث إليها بها فاستحلها بها، فإنها كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله ×(326), وقد جهز رسول الله × فاطمة في خميل(327),وقربة ووسادة أدم(328) حشوها إذخر(329)(330), وقد جاء في روايات الشيعة، فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربعمائة درهم من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن، ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: نعم، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان، فدعا له النبي بخير(331).
2-
زفافها: قالت أسماء بنت عميس: كنت في زفاف فاطمة بنت رسول الله ×، فلما أصبحنا جاء النبي × إلى الباب فقال: يا أم أيمن أدعي لي أخي، فقالت: هو أخوك وتنكحه؟ قال: نعم يا أم أيمن، قالت: فجاء على فنضح النبي × عليه من الماء ودعا له ثم قال: ادعي إلى فاطمة، قالت: فجاءت تعثر من الحياء، فقال لها رسول الله ×: اسكتي فقد أنكحتك أحب أهل بيتي إلىَّ، قالت: ونضح النبي × عليها من الماء ودعا لها، قالت: ثم رجع رسول الله × فرأى سوادًا بين يديه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، قال: أسماء؟ قلت نعم، قال: أسماء بنت عميس؟ قلت: نعم، قال: جئت في زفاف بنت رسول الله تكرمة له؟ قلت: نعم، قالت: فدعا لي(332).
3-
وليمة العرس: عن بريدة قال: لما خطب على فاطمة، قال رسول الله ×: إنه لابد للعرس(333) من وليمة، قال: فقال سعد: على كبش، وجمع له رهط من الأنصار آصعًا من ذرة، فلما كان ليلة البناء، قال: يا على لا تحدث شيئًا حتى تلقاني، فدعا النبي × بماء فتوضأ منه ثم أفرغه على علىًّ، فقال: "اللهم بارك فيهما وبارك عليهما، وبارك في شبلهما"(334).

4-
معيشة على وفاطمة رضي الله عنهما: كانت معيشة على وفاطمة، وهما أحب الناس إلى رسول الله ×، معيشة زهد وتقشف، وصبر وجهد، فقد أخرج هناد من عطاء، وقال: نبئت أن عليًا رضي الله عنه قال: مكثنا أيامًا ليس عندنا شيء، ولا عند النبي ×، فخرجت فإذا أن بدينار مطروح على الطريق، فمكثت هنيهة أؤامر نفسي في أخذه أو تركه، ثم أخذته لما بنا من الجهد، فأعطيت به الضفاطين(335), فاشتريت به دقيقًا، ثم أتيت به فاطمة فقلت: اعجني واخبزي، فجعلت تعجن وإن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها- ثم خبزت، فأتيت النبي × فأخبرته، فقال: "كلوه فإنه رزق رزقكموه الله عز وجل"(336), وعن الشعبي، قال: قال على رضي الله عنه: تزوجت فاطمة بنت محمد رسول الله × ومالي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل، ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، ومالي خادم غيرها(337), وعن مجاهد قال على: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بلَه(338), فأيتتها فقاطعتها(339) كل ذنوب(340) على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبًا، حتى مجلت يداي(341) ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفي هذا بين يديها(342), فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي ×، فأخبرته، فأكل معي منها(343). في هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها أمير المؤمنين على رضي الله عنه في المدينة، ونأخذ منه صورة من السلوك المشروع في مواجهة الشدائد، حيث خرج على رضي الله عنه وعمل بيديه للكسب المشروع، ولم يجلس منتظرًا ما تجود به أيدي المحسنين، وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو يعاني من شدة الجوع ما يضعف قوته، وصورة أخرى من إيثار الأحبة والوفاء لهم، فهو على ما به من شدة الجوع وبالرغم مما قام به من ذلك العمل الشاق قد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي × فأكل معه(344).
5-
زهد السيدة فاطمة وصبرها: كانت حياتها في غاية البساطة بعيدة عن التعقيد، وهى إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده(345), وهذه القصة تصور لنا حال السيدة فاطمة من التعب وموقف رسول الله × منها عندما طلبت منه أن يعطيها خادمًا من السبى، قال على لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت(346)، حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وجاء الله أباك بسبى فاذهبي فاستخدميه(347), فقالت: أنا والله طحنت حتى مجلت يداي، فأتيت النبي × فقال: ما جاء بك أي بنية. قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال على: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتينا جميعًا، فقال على: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي(348), وقد جاءك الله بسبى وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله ×: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى(349) بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم، فرجعا فأتاهما النبي × وقد دخلا في قطيفتها إذا غطت رءوسهما تكشف أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما،، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام، فقال: "تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبرا أربعًا وثلاثين"(350), وفي القصة السالفة بعض القيم المهمة منها:
إن هذه الحادثة تبين لنا كيف أدار النبي × الأزمة الاقتصادية التي مرت بدولة الرسول في المدينة، وذلك من خلال ترتيبه للأولويات، فسد جوع أهل الصفة ضرورة، وأما حاجة على وفاطمة للخادم ليست بمرتبة احتياج أهل الصفة، فقدم رسول الله أهل الصفة عليهم، وكانت وسائل رسول الله ×في حل الأزمة الاقتصادية كثيرة.
ولقد تأثر على- رضي الله عنه- بهذه التربية النبوية، ويمر الزمن بالفتى على فيصبح خليفة المسلمين، فإذا به من آثار هذه التربية يترفع عن الدنيا وزخارفها وبيده كنوز الأرض وخيراتها، لأن ذكر الله يملأ قلبه ويغمر وجوده، ولقد حافظ على وصية رسول الله × له، وقد حدثنا عن ذلك فقال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن، فسأله أحد الصحابة: ولا ليلة صفين؟ فقال: ولا ليلة صفين(351).
6-
إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا: عن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال: دخل علىَّ رسول الله × وعلى فاطمة من الليل، فأيقظنا للصلاة، قال: ثم رجع إلى بيته فصلى هويا من الليل، قال: فلم يسمع لنا حسًا، قال: فرجع إلينا فأيقظنا وقال: قوما فصليا، قال: فجلست وأنا أعْرك عيني, وأقول: إنا والله ما نصلي إلا ما كتب لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، قال: فولى رسول الله × وهو يقول، ويضرب بيده على فخذه: "ما نصلى إلا ما كتب لنا، ما نصلى إلا ما كتب لنا +وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً"" [الكهف:54]. وهذا فيه تجرد علي رضي الله عنه للحق وحرصه على نشر العلم ولو كان الأمر متعلقًا به رضي الله عنه، وهذه قيمة كبرى يتعلمها المسلمون من أمير المؤمنين على، ولو أراد لكتم الحديث، علمًا بأن صلاة الليل لم تكن واجبة.


رابعًا: ولداها الحسن والحسين رضي الله عنهما:
1-
الحسن بن على بن أبى طالب الهاشمي:

سبط رسول الله × وريحانته في الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، أمه فاطمة الزهراء، ولد للنصف من رمضان سنة 3هـ وقيل في شعبان، وقيل في سنة أربع أو خمس(352). وقد توفى عام 50هـ. وقد اخترت في كتابي السيرة النبوية بأنه ولد في العام الرابع للهجرة(353).
هذا وقد سماه رسول الله × حسنًا، قال على رضي الله عنه: لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء رسول الله × فقال: أروني ابنى. ما سميتموه؟قلت: حربًا، قال ×: بل هو حسن(354) وهكذا غير × ذلك الاسم الحاد باسم جميل يدخل السرور والبهجة على القلوب، فحمل المولود الجديد اسمه الجميل، وحمله × بين يديه وقبله.
وهذا أبو رافع يخبرنا عن فعل رسول الله ×، يقول: رأيت النبي × أذن في أذني الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة(355).
وحدثنا أبو رافع عن عقيقة الحسن فقال: لما ولدت فاطمة حسنًا قالت: ألا أعق عن ابنى بدم (بكبشين) قال ×: لا ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين والأوفاض، وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله × محتاجين في المسجد أو الصفة ففعلت ذلك(356).
هذا وقد وردت أحاديث كثيرة في فضائل الحسن بن علي رضي الله عنه منها:
أ- عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: رأيت الحسن بن علىًّ على عاتق الني × وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه"(357).
ب- وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي × أنه قال للحسن: "اللهم إني أحبه، فأحبه واحبب من يحبه"(358).
ج- وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي × أنه كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" (359).
د- عن أبى بكرة رضي الله عنهما قال: سمعت النبي × على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "ابنى هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"(360). فإخبار النبي × بأن الحسن سيد مفخرة عظيمة وميزة شريفة له رضي الله عنه وأرضاه، وقد تحققت نبوءة جده ×، فأصلح على يديه بين المسلمين وحقن دماءهم، حيث نزل عن حقه في الخلافة لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين، وكان ذلك في سنة إحدى وأربعين، وكانت خلافته رضي الله عنه ستة أشهر وسمى هذا العام عام الجماعة، وهذا ما أخبر به النبي × يقوله: "لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين"(361).
قال ابن حجر: فالحديث فيه علم من إعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن على، فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة،بل لرغبة فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة(362), وسيأتي الحديث بإذن الله عن تنازل الحسن بالخلافة لمعاوية عند حديثنا في عهده في كتاب مستقل.
هـ- وعن سعيد المقبري(363), قال: كنا مع أبى هريرة رضي الله عنه فجاء الحسن بن على ابن أبى طالب علينا فسلم فرددنا عليه السلام ولم يعلم به أبو هريرة فقلنا: يا أبا هريرة هذا الحسن بن على قد سلم علينا فلحقه وقال: عليك السلام يا سيدي ثم قال: إنه سيد(364).
و- ومنها مشابهته رضي الله عنه للنبي في الخلق، فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي × من الحسن بن على (365).
ز- وروى أيضًا بإسناده إلى عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر رضي الله عنه وقد حمل الحسن وهو يقول: بأبى شبيه بالنبي ليس شبيهًا بعلي، وعلى يضحك(366), فكونه رضي الله عنه شبه جده المصطفى × في الخلق منقبة عظيمة له وفضيلة ظاهرة(367).
2-
الحسين بن على رضي الله عنه:

هو أبو عبد الله الحسين بن على بن أبى طالب، سبط رسول الله ×، وريحانته ومحبوبه، ابن بنت رسول الله، فاطمة رضي الله عنها، كان مولده سنة 4هـ، وقيل غير ذلك، ومات رضي الله عنه قتيلاً شهيدًا، في يوم عاشوراء من شهر المحرم سنة إحدى وستين هجرية بكربلاء من أرض العراق، فرضي الله عنه وأرضاه(368), وقد وردت في مناقبة وفضائله أحاديث كثيرة منها:
أ- ما رواه أحمد بإسناده إلى يعلي العامرى رضي الله عنه أنه خرج مع رسول الله × -يعني إلى طعام دعوا له- قال: فاستمثل رسول الله × أمام القوم، وحسين مع غلمان يلعب فأراد رسول الله × أن يأخذه فطفق الصبي يفر هنا مرة وها هنا مرة، فجعل النبي × يضاحكه حتى أخذه قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه ووضع فاه وقبله وقال: "حسين مني وأنا من حسين، اللهم أحب من أحب حسينًا، حسين سبط من الأسباط"(369), وفي ذلك منقبة ظاهرة للحسين رضي الله عنه، إذا حث على محبته وكانه × علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر، وأكد على وجوب المحبة وحرمة التعرض والمحاربة، وأكد ذلك بقوله: "أحب الله من أحب حسينًا" فإن محبته تؤدي لمحبة الرسول ومحبة الرسول × من محبة الله"(370).
ب- ومنها ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أُتى عبيد الله ابن زياد(371) برأس الحسين عليه السلام فجعل في طست، فجعل ينكت وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله × وكان مخضوبًا بالوسمة(372)(373).
ج- وفي رواية أخرى عن أنس أيضًا قال: لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول: لقد كان أحسبه قال جميلاً فقلت: والله لأسوءنك، إني رأيت رسول الله يلثم حيث يقع قضيبك. قال: فانقبض(374). فالحديثان يدلان على فضل الحسين رضي الله عنه, وأنه كان أشبه أهل البيت به، ولكن قد يرد إشكال ولا سيما أنه قد تقدم في فضائل الحسن، أنه لم يكن أحد أشبه برسول الله × من الحسن بن على، فيحدث التعارض، وقد أزال الإشكال والتعارض ابن حجر رحمه الله حيث جمع بينهما فقال: ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في حياة الحسن لأنه يومئذ كان أشد شبهًا بالنبي × من أخيه الحسين، وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك كما هو ظاهر من سياقه، أو المراد بمن فضل الحسين عليه في الشبه ما عدا الحسن، ويحتمل أن يكون كل منهما أشد شبهًا في بعض أعضائه، فقد روى الترمذي وابن حبان من طريق هانئ بن هانئ عن على قال: الحسن أشبه النبي × ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه النبي × ما كان أسفل من ذلك(375), فهذه بعض الأحاديث الواردة في الحسين رضي الله عنه وأرضاه.


3-
ما ورد من أحاديث في مناقب مشتركة بين الحسن والحسين رضي الله عنهما:


أ- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عمر أنه قد سأله رجل من العراق عن المحرِم يقتل الذباب، فقال رضي الله عنه: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله × وقال النبي ×:"هما ريحانتاي من الدنيا"(376).
قال ابن حجر: والمعنى أنهما مما أكرمني الله وحباني به، لأن الأولاد يشمون ويقبلون فكأنهم من جملة الرياحين(377).
ب- عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ×: "من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني".يعني حسنًا وحسينًا(378).
ج- وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن رسول الله × أبصر حسنًا وحسينًا فقال: "اللهم إني أحبهما فأحبهما"(379).
د- عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله ×: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"(380).
هـ- عن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبى بريدة يقول: كان رسول الله × يخطبنا فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله × من على المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله +إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ" نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثى ورفعتهما(381).
و- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله × كان يعوذ الحسن والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، هكذا كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق"(382).وهذا الحديث لا يتعارض مع ما رواه سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه، قال: سمعت النبي × يقول: "لا هامة"(383) وما رواه أبو هريرة عن رسول الله × في قوله: "لا هام، لاهام"(384), وقوله ×: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة"(385), فقد أجاب أبو جعفر الطحاوى بقوله: ففي هذه الأحاديث نفيه الهامة ونفي وجودها، فكيف يجوز أن يعوذهما من معدوم؟ فكان جوابنا له بتوفيق الله عز وجل وعونه: أن الهامة التي عوذهما × منها هو هوام الأرض التي يخاف غوائلها، والهامة التي نفاها هي خلافها، وهي ما كانت العرب تقوله في موتها، فمن ذلك ما رثى به لبيد أخاه أربد(386) بقوله:
فليس الناس بعدك في نقير
ولاهُمْ غيرُ أصداء وهام
ومن ذلك قول أبى داود الأياديَّ:
سُلِّط الموت والمنون عليهم
فلهم في صدى المقابر هام
فنفى رسول الله × ذلك كما في حديث أبى هريرة الذي رويناه، وأما الهامة التي عوذ منها حسنًا وحسينًا، فهي موجودة وهي هوام الأرض المخوفة وهي مشددة الميم، والهامة التي نفاه مخففة الميم، فليست منها في شيء(387).

خامسًا: حديث الكساء ومفهوم أهل البيت:
حديث الكساء روته عائشة رضي الله عنها(388), قالت: خرج النبي × غداة وعليه مرط مرحل "وهو الكساء" فأدخل عليا وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ثم قال: +إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"(389) [الأحزاب:33].
وهذا يبين لنا من كذب أن الصحابة يكتمون فضائل على، فهذه عائشة التي يدعون أنها تبغض عليًا هى التي تروى هذا الفضل لعلي وفاطمة(390).
إن الخطاب في الآيات الكريمة كله لأزواج النبي × حيث بدأ بهن وختم بهن، قال تعالى: +يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً ( وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا ( وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا" [الأحزاب: 28-34]، فالخطاب كله لأزواج النبي × ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد، لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بضمير المذكر لأنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب الذكر، حيث تناول أهل البيت كلهم، وعلى فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أخص من غيرهم بذلك، لذلك خصهم النبي × بالدعاء لهم، كما أن أهل بيت النبي × يتعدى عليًا والحسن والحسين وفاطمة إلى غيرهم كما في حديث زيد بن أرقم، وأنه لما قيل له: نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته الذين حرموا الصدقة وهم آل على وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس(391), وإذا اتسع مفهوم أهل بيت النبي × إلى أكثر من ذلك فهم نساؤه بدليل الآية، ويشمل أيضًا عليًا وفاطمة والحسن والحسين، كحديث الكساء، وبحديث زيد بن أرقم، وآل عباس بن عبد المطلب، وآل عقيل بن أبى طالب، وآل جعفر بن أبى طالب بدليل حديث زيد بن أرقم, وآل الحارث بن عبد المطلب(392), وسيأتي الحديث عن الآية الكريمة مفصلاً عند مناقشتنا للشيعة بإذن الله تعالى.
سادسًا: ما يخص آل رسول الله × من الأحكام:
1-
تحرم عليهم الزكاة:لحديث عبد المطلب بن ربيعة أن النبي × قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس"(393).

2-
لا يرثون رسول الله ×: لحديث أبى بكر قال: قال رسول الله ×: "لا نورث، ما تركنا صدقة"(394). وقد روى هذا الحديث أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وأزواج النبي × وأبو هريرة كما نص على ذلك ابن تيمية وهى ثابتة عنهم في الصحاح والمسانيد(395).

3-
لهم خمس الخمس في الغنيمة(396) والفيئ(397): قال تعالى: +وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [الأنفال:41].
وقال تعالى: +مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ" [الحشر:7].
4-
الصلاة عليهم مع النبي ×:عن كعب بن عجرة قال: سألنا رسول الله × فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله قد علمنا كيف نسلم، قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"(398).

5-
لهم مودة خاصة:ويتمثل هذا فيما رواه زيد بن أرقم عن النبي ×: "أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"(399).

قال القرطبي:وهذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله وتوقيرهم ومحبتهم، وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها(400), وقد فهم وصية النبي × بأهل بيته حق الفهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فأحبهم وأكرمهم، ودعا الناس إلى إكرامهم ومحبتهم، فقد روى البخاري بإسناده إلى أبى بكر رضي الله عنه، أنه قال: ارقبوا محمدًا × في أهل بيته(401).
فهذا خطاب من الصديق رضي الله عنه ووصية منه للناس في حفظ حقوق آل بيت النبي ×، فالمراقبة للشيء المحافظة عليه، ومعنى قول الصديق: احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم(402), وقال النووي: ومعنى "ارقبوا": راعوه واحترموه وأكرموه(403), وقد أكد رضي الله عنه تلك الحقوق بما قاله لعلي رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله × أحب إلىَّ أن أصل من قرابتي(404).ومحبة أهل البيت من أصول أهل السنة والجماعة، يقول ابن تيمية: وإن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت النبي × ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله × (405), وقال القاضي عياض: إن من علامات محبته × محبته لمن أحب النبي ×، ومن هو بسببه من آل بيته، وصحابته من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، فمن أحب شيئًا أحب من يحبه(406), وقال ابن كثير: ولا ننكر الوصاية بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا، وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، فكانوا من أهل الحق كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلى وأهل بيته وذريته رضي الله عنهم أجمعين(407).

سابعًا: علي رضي الله عنه في غزوة أحد:
في غزوة أحد بدأ القتال بمبارزة بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وطلحة بن عثمان, وكان بيده لواء المشركين, وطلب المبارزة مرارًا, فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له علي: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة, فضربه علي, فقطع رجله فوقع على الأرض فانكشفت عورته فقال: يا ابن عمي أنشدك الله والرحم! فرجع عنه ولم يجهز عليه, فكبر رسول الله وقال لعلي بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ قال: إن ابن عمي ناشدني الرحم حين انكشفت عورته فاستحييت منه(408). وكان رضي الله عنه بعد الالتحام في ميمنة الجيش, وأخذ الراية بعد مقتل مصعب بن عمير رضي الله عنه.
في هذه المعركة قتل من المشركين خلقًا كثيرًا, رغم ما أصاب المسلمين من الشدة في هذه الغزوة, إضافة إلى بلائه في الدفاع عن رسول الله ×(409), وكان علي رضي الله عنه هو الذي أخذ بيد رسول الله × حينما وقع في الحفرة يوم أحد(410), لقد استشهد في تلك الغزوة عدد كبير من خيرة المهاجرين والأنصار, وتركت حزنًا عميقًا في نفس الرسول ×, كما أصاب العدو من الرسول الكريم, فأدموا وجهه الشريف, فقامت ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بمداواة جراحه, وإيقاف الدم الذي كان ينزف على وجهه ولحيته عليه الصلاة والسلام(411).
وظهرت شجاعة علي رضي الله عنه في تلك المعركة, فعندما أشيع أن الرسول × قتل, وافتقده عليَّ, رأى أن الحياة لا خير فيها بعده, فكسر جفن سيفه, وحمل على القوم حتى أفرجوا له, فإذا برسول الله ×(412), فثبت معه ودافع عنه دفاع الأبطال, وقد أصابته ست عشرة ضربة في ذلك اليوم(413).
وبعد انسحاب جيش المشركين من أرض المعركة أرسل رسول الله × علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد الغزوة مباشرة, وذلك لمعرفة اتجاه العدو, فقال له: "اخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون, فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة, وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة, والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم", قال علي: فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون, فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة(414), فخرج علي رضي الله عنه، وأخبر رسول الله× بخبر القوم(415)،وفي هذا الخبر عدة دروس وعبر منها:
- شجاعة النبي ×، حيث كان داخل صفوف المشركين ولم يصل إليه سيدنا على إلا بعد جهد جهيد، فوجد رسول الله × في قلب العدو يقاتلهم حتى أصيب بعدة جروح.
- يقظة الرسول ×، ومراقبته الدقيقة لتحركات العدو، وقدرته × على تقدير الأمور، وتحليل تصرفات الخصم وفهم ما يترتب عليها من قرارات.
- ظهور قوته المعنوية العالية، ويظهر ذلك في استعداده لمقاتلة المشركين لو أرادوا المدينة.
- وفيه ثقة النبي × بعلي رضي الله عنه ومعرفته بمعادن الرجال.
- المروءة ومكارم الأخلاق عند على عندما رجع عن خصمه بعدما انكشفت عورته وإقرار رسول الله × له، وهذا العمل يعلمنا قيمة التعامل، وكيف تكون الأخلاق حتى مع الخصم وحتى في ساحة المعركة.
- وجوب التضحية في سبيل الله وأنه بهذه الروح ينتصر الإسلام في الحياة وينال الشهيد الجنة، وهذا ما أثبته لنا بعض المهاجرين والأنصار في هذه المعركة وغيرها.
- وجوب الأخذ بالأسباب، وظهر هذا عندما وضع رسول الله × بعض الصحابة على جبل أحد، فعصوه ونزلوا وكان هذا من أسباب الهزيمة.
- وفيه شجاعة على رضي الله عنه، لأن هذا الجيش لو أبصره ما تورع عن محاولة قتله(416).

ثامنًا: على رضي الله عنه في غزوة بني النضير:
يرى المحققون من المؤرخين أن غزوة بنى النضير كانت بعد أحد في ربيع الأول من السنة الرابعة من الهجرة، وقد رد ابن القيم على من زعم أن غزوة بنى النضير بعد بدر بستة أشهر بقوله: وزعم محمد بن شهاب الزهري: أن غزوة بنى النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها بعد أحد، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بنى قينقاع، وقريظة بعد الخندق، وخيبر بعد الحديبية(417), وقال ابن العربي: والصحيح أنها بعد أُحد(418)، وإلى هذا الرأي ذهب ابن كثير(419), ففي هذه الغزوة فقد الصحابة على بن أبى طالب رضي الله عنه ذات ليلة، فقال النبي ×: "إنه في بعض شأنكم"، فعن قليل جاء برأس عَزْوَكَ، وقد كمن له حتى خرج في نفر من اليهود يطلب غرة من المسلمين، وكان شجاعًا راميًا، فشد عليه على رضي الله عنه فقتله، وفر اليهود(420).

تاسعًا: على رضي الله عنه في غزوة حمراء الأسد:
تعتبر هذه الغزوة مكملة لغزوة أحد، فقد عاد المسلمون من أحد مساء السبت الخامس عشر من شوال من السنة الثالثة للهجرة، وما أن أصبح الصباح وخرج الناس من صلاة الفجر إلا وأذنَّ مؤذن رسول الله × بالتهيؤ على جناح السرعة لمطاردة العدو، وألا يخرج من الناس إلا من شهد أُحُدًا، فاستجاب الناس لنداء رسول الله × مع ما بهم من جراحات وتعب، وكان في مقدمتهم رسول الله ×، ولم يسمح لعبد الله بن أبىَّ بالخروج معه، ولا لأحد لم يشهد أحُدًا إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الذي استشهد أبوه في أُحُد، وكان قد منعه من الاشتراك في بدر وأحد ليبقى عند أخواته البنات، وخرج الجيش وفي مقدمتهم رسول الله ×، ويحمل اللواء، لواء أحد نفسه علىُّ بن أبى طالب(421), وصل المسلمون بقيادة رسولهم الكريم × إلى حمراء الأسد التي تبعد عن المدينة ثلاثة عشر ميلاً، حيث حطُّوا الرحال فيها، وقد أدهشت هذه الحركة اليهود والمنافقين لما فيها من جرأة وشجاعة، وأيقنوا أن الروح المعنوية عالية، وأنهم لو هُزموا لما عملوا على مطاردة قريش(422), كما أن في خروج النبي × إلى حمراء الأسد إشارة نبوية إلى أهمية استعمال الحرب النفسية للتأثير على معنويات الخصوم، فخرج × بجنوده إلى حمراء الأسد ومكث فيها ثلاثة أيام، وأمر بإيقاد النيران، فكانت تشاهد من مكان بعيد وملأت الأرجاء بأنوارها حتى خيل لقريش أن جيش المسلمين ذو عدد كبير لا طاقة لهم به، فانصرفوا وقد ملأ الرعب أفئدتهم(423).
قال ابن سعيد: ومضى رسول الله × بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه فكبت الله تعالى بذلك عدوهم(424), وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحرب الباردة وسجلها المولى عز وجل في كتابه في معرض الثناء على الصحابة: +الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ" [آل عمران: 172- 175].

عاشرًا: على رضي الله عنه وموقفه من حادثة الإفك:
ورد حديث الإفك الذي اتهم فيه المنافقون عائشة رضي الله عنها به، أن رسول الله × استدعى عليًا وأسامة واستشارهما في فراق أهله، لما كثر القول وأقلق النبي ×، واستلبث الوحي، فأما أسامة، فأشار عليه بالذي يعلم من براءتها، فقال: يا رسول الله أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا، وأما على بن أبى طالب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك(425) , قالت: فدعا رسول الله × بريرة فقال: أي بَريَرة هل رأيت من شيء يَريبك؟قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا أغمصه(426) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن(427) فتأكله، فقام رسول الله، فاستعذر(428) يومئذ من عبد الله بن أُبى ابن سلَول قالت: فقال رسول الله × وهو على المنبر: فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً(429), ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي(430). إن الكلام الذي قاله علىّ إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي ×، لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل. وكان شديد الغيرة، فرأى على رضي الله عنه في بادئ الأمر أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن تتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، ويستفاد منه ارتكاب أخف الضررين لذهاب أشدهما(431), وقال النووي: رأى على أن ذلك هو المصلحة في حق النبي ×، واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه، فبذل جهده في النصيحة، لإرادة راحة خاطره ×(432), كما أن عليا رضي الله عنه لم ينل عائشة - رضي الله عنها- بأدنى كلمة يفهم منها أنه عرَّض بأخلاقها، أو تناولها بسوء(433), بل كان رأيه خيرًا لها، فهو يقول إن أردت أن ترتاح من المشكلة فإن غيرها كثير، وإن أردت الوصول للحقيقة، فاسأل الجارية توصلك إليها، وهي براءة عائشة، ثم بعد ذلك خطب رسول الله الناس وبين براءة عائشة، وخطورة من يخوض في عرضه ظلمًا وزورًا، وقد بدت نصيحة على وأسامة بن زيد معًا إيجابيتين، وفي صالح عائشة رضي الله عنها، فقد ازداد
النبي × قناعة بما علم من خير في أهله(434).
وعلى القارئ الكريم أن يحذر من الروايات الباطلة ساقطة الاعتبار التي تزعم بإساءة على إلى عائشة في أمر الإفك، والتي بنى عليها بعض الباحثين بأن ذلك جعل عائشة تغضب من على رضي الله عنه وتحقد عليه وتتهمه زورًا بقتل عثمان، وتخرج عليه مؤلبة عليه الأعداد الهائلة من المسلمين(435), ومن أمثال هؤلاء الباحثين، على إبراهيم حسن في التاريخ الإسلامي العام، وطه حسين في كتابه: على وبنوه(436), وغيرهم، سوف نتحدث عن العلاقة المتينة بين أم المؤمنين عائشة وعلى - بإذن الله - عند حديثنا عن موقعة الجمل، لقد كانت قصة الإفك حلقة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله × من أعداء الدين، وكان من لطف الله تعالى بنبيه وبالمؤمنين أن كشف الله زيفها وبطلانها، وسجل التاريخ بروايات صحيحة مواقف المؤمنين من هذه الفرية، وهي مواقف يتأسى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في حياتهم مثل هذه الفرية، فقد انقطع الوحي، وبقيت الدروس لتكون عبرة وعظة للأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها(437), وقد تحدثت في كتابي "السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث" عن الدروس والعبر والآداب والأحكام التي تؤخذ من حادثة الإفك(438).






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
رد مع اقتباس
قديم 12-18-2010, 03:23 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

المبحث السادس
أهم أعمال علي رضي الله عنه
ما بين الأحزاب إلى وفاة النبي ×
أولاً: علي رضي الله عنه في غزوة الأحزاب:

كان موقف أمير المؤمنين على رضي الله عنه في الأحزاب بطوليًّا رائعًا ينم عن مدى رسوخ العقيدة في قلوب أصحاب النبي ×، والدعوة إليها، والموت في سبيلها، والبراءة ممن خالفها، قال ابن إسحاق: وخرج على بن أبى طالب في نفر من المسلمين بعد أن اقتحمت خيل المشركين ثغرة في الخندق حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلتن الفرسان تعدو نحوهم، وكان عمرو بن عبد وقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح، فلم يشهد يوم أُحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا لُيرَى مكانه فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى أحد خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال له على: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النّزل، فقال له: لِمَ يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال له على: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقرها، وضرب وجهه، ثم أقبل على علىًّ، فتنازلا وتجاولا فقتله على رضي الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة(439).
وقد ذكر ابن كثير ما رواه البيهقي في دلائل النبوة من أشعار قالها عمرو بن عبد ود وعلي رضي الله عنه، فقد قال عمرو لما خرج للمبارزة:
ولقد بححْتُ من النداء
لَجمعِهِم هل من مبارز؟
ووقفت إِذ جَبُنَ المشجَّع
موقف القرن المناجز
ولذاك إني لم أكُن
متسرعًا قبل الهَزاهِزْ
إن الشجاعة في الفتى
والجود من خير الغرائِزْ
فعندما خرج له على رضي الله عنه:
لا تَعْجَلنَّ فقد أتاك

مُجيبُ صَوتكَ غير عاجز
في نية وبصيرة
والصدق مَنْجَى كلِّ فائز
إني لأرجُو أن أقيم
عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى
ذكرها عند الهزائز(440)
ولما قتل على رضي الله عنه عمرو بن عبد ود ذكروا أنه قال من الشعر:
أعلىُّ تفتحم الفوارس هكذا

عنىّ وعنهم أخروا أصحابي
اليوم يمنعني الفرارَ حفيظتي
ومُصَمَّم في الرأس ليس بنابي(441)
وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال حسان بن ثابت:
فرّ وألقى لنا رمحه
لعلَّكَ عَكْرمُ لم تفْعلِ
ووليت تعدو كعدو الظَّليم
ما أن يحوّر عن المعدل
ولم تلوِ ظهرك مستأنسًا

كان قفاك قفا فَرْعَل(442)
وبعد مقتل عمرو بن عبد ود بعث المشركون إلى رسول الله × يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: ادفعوا إليهم جيفتهم، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئًا.
وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه؟ (443).

ثانيًا: علي رضي الله عنه في غزوة بنى قريظة:
وكان فيها رضي الله عنه حامل راية رسول الله × في المقدمة(444), إلى أن حكم فيها سعد ابن معاذ، وكان في بادئ الأمر لم ينزلوا على حكمه، قال ابن هشام: إن علىّ بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة: يا كتيبة الإيمان، وتقدم هو والزبير بن العوام، وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأقتحمن حصونهم، فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ(445)، وهكذا أنزل الله تعالى الرعب والخوف في قلوب أعداء العقيدة والدين، على لسان ذاك التقى النقي لما آتاه الله من حب الاستبسال والموت في سبيل عزة دين الله تعالى، وقد نادى كتيبته بأحب الأسماء التي ينادي بها الله تعالى عباده ألا وهو نداء الإيمان الذي يتجلى فيه صدق الاعتقاد، وصلاح العمل، وحب الجهاد في سبيله تعالى(446).
ولما حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم الأموال(447), فكان من الذين يباشرون القتل على بن أبى طالب والزبير رضي الله عنهما(448).

ثالثًا: علي رضي الله عنه في صلح الحديبية وبيعة الرضوان:
في غزوة الحديبية وقبل الصلح، خرج بعض العبيد (الأرقاء) من مكة إلى رسول الله ×، فكتب إليه مواليهم بإرجاعهم، فرفض رسول الله × أن يرجعهم وقال: "يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان"، فسأله الصحابة بتلهف: من هو يا رسول الله؟ وكلهم يرجو أن يفوز هو بهذه الشهادة العظيمة من رسول الله ×، فقال ×: هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليًا بخصفها(449), ولَّما تَم الصلح بين المسلمين ومشركي قريش، كتب على كتابًا بينهم قال: فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسول الله لم نقاتلك. فقال لعلي: امحه قال: ما أنا بالذي أمحوه، فمحاه رسول الله × بيده فصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبَّان(450) السلاح(451), وقد امتنع على رضي الله عنه عن محو كلمة (رسول الله) بدافع محبته لرسول الله × وتعظيمه(452). وقد طعن الروافض الغلاة في موقف الصحابة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم في الحديبية، وذكروا من مراجعة عمر للنبي × في أمر الصلح، وكذلك تأخر الصحابة في بداية الأمر عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله× وحلق، ولا مطعن في شيء من هذا في أصحاب رسول الله × لا عمر ولا غيره من الصحابة الذين شهدوا الحديبية، وبيان ذلك أن الرسول × كان قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع أمر الصلح، وفيه أن يرجعوا عامهم هذا، ثم يعودوا العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله ×(453), فجعل عمر- رضي الله عنه - على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه يسأل رسول× ويراجعه في الأمر، ولم تكن أسئلته التي سألها رسول الله لشك في صدق الرسول ×، أو اعتراض عليه، لكن كان مستفصلاً عما كان متقررًا لديه، من إنهم سيدخلون مكة
ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله × على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين(454).
قال النووي:قال العلماء: لم يكن سؤال عمر - رضي الله عنه - وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه- رضي الله عنه - وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين(455), فعمر - رضي الله عنه - كان في هذا مجتهدًا حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله × من المشورة وإبداء الرأي امتثالاً لأمر الله تعالى: +فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" [آل عمران: 159]، وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة، أو يخرج للعدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليه فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجئ لقتال، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال(456). وفي حوادث كثيرة يطول ذكرها، فقد كان عمر- رضي الله عنه- يطمع أن يأخذ رسول الله × برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته وصدقه(457).
أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله × وحلق، فليس معصية لأمر رسول الله ×، وقد ذكر العلماء له عدة توجيهات، قال ابن حجر: قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوغ لهم ذلك لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الأمتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم(458), وجاء في بعض الروايات أن الرسول × لما رأى عدم امتثالهم دخل على أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: يا رسول الله لا تكلمهم فإنهم دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح(459), فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري: أن أخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج لم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا(460), قال ابن حجر: ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي × أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفى عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي × صواب ما أشارت به ففعله..ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فلما استمروا على الامتناع، تناول القدح فشرب، فلما رأوه شرب شربوا(461).
وهذا الوجه حسن، وهو اللائق بمقام أصحاب النبي ×، فلما أمرهم النبي × بالتحلل ولم يفعل، ظنوا أن الذي حمله على هذا هو الشفقة عليهم، كما كانت سيرته معهم، فكأنهم - رضي الله عنهم - آثروا التأسى به على ما رخص لهم فيه من التحلل، ثم لما رأوه قد تحلل أيقنوا أن هذا هو الأفضل في حقهم، فبادروا إليه، وهذا مثل ما حصل منهم في الحج مع النبي × لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا أمرهم أن يحلوا، وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة، فكبر ذلك عليهم لتعظيمهم لنسكهم، وقالوا: نذهب إلى عرفة ومذاكيرنا تقطر من المنى، فلما علم بذلك الرسول × وكان لم يتحلل، قال لهم: "أيها الناس أحلوا فلولا الهدى الذي معي فعلت كما فعلتم"قال جابر- رضي الله عنه- راوى الحديث: فحللنا وسمعنا وأطعنا(462), وهذا كله من حرص أصحاب رسول الله × على الخير والرغبة في التأسى برسول الله × التأسى الكامل(463).
إن موقف النبي × في سكوته على عمر رضي الله عنه عندما عارضه على الصلح يعطي قيمة كبرى بأنه على القيادات الإسلامية من حكام وعلماء ودعاة أن يتحلوا بسعة الصدر وحسن الاستماع للرأي الآخر. وإعطاء المجال لكل ذي رأي أن يعبر عن رأيه بما يخدم المصلحة العامة، لا أن يفتح السجون ويكمم الأفواه. إن النبي × في صلح الحديبية بين أن حرية إبداء الرأي مكفولة في المجتمع الإسلامي، وأن للفرد في المجتمع المسلم الحرية في التعبير عن رأيه، ولو كان هذا الرأي نقدًا لموقف حاكم من الحكام أو خليفة من الخلفاء، فمن حق الفرد المسلم أن يبين وجهة نظره في جو من الأمن دون إرهاب أو تسلط يخنق حرية الكلمة والفكر، وإذا كان هذا موقف رسول الله × مع عمر، فمعارضة رئيس الدولة - من باب أولى - في رأي من الآراء وموقف من المواقف ليست بحد ذاتها جريمة تستوجب العقاب، ويغيب صاحبها في غياهب السجون(464), كما أن الهدى النبوي الكريم يعلمنا كيف يربي أصحابه من خلال الأحداث. ولقد نال على رضي الله عنه في الحديبية مع من حضر من أصحاب رسول الله، رضا الله عز وجل ونزل فيهم قوله تعالى: + لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" [الفتح:18]، وقال رسول الله ×: "لن يدخل أحد النار بايع تحت الشجرة"(465), وقد نال على رضي الله عنه وإخوانه مثل أبى بكر وعمر وغيرهما من قبل في بدر وسامًا عظيمًا وشرفًا عاليًا، فقد قال رسول الله في أهل بدر: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"(466).

رابعًا: عمرة القضاء 7هـ وعلى رضي الله عنه، وحضانة ابنة حمزة رضي الله عنهما:
لقد تغيرت النفوس والعقول بتأثير الإسلام تغيرًا عظيمًا، فعادت البنت- التي كان يتعير بها أشراف العرب، وجرت عادة وأدها في بعض القبائل فرارًا من العار، وزهدًا في البنات - حبيبة يتنافس في تربيتها المسلمون، وكانوا سواسية، ولا يرجح بعضهم على بعض إلا بفضل أو حق(467), فلما أراد النبي × الخروج من مكة، تبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها على، فأخذ بيدها وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها على وزيد وجعفر. قال على: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: هى ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضي بها النبي × لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقى، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا،وقال على لرسول الله ×: ألا تتزوج بنت حمزة. قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة(468).
وفي هذه القصة دروس وعبر وأحكام وفوائد منها:

1-
الخالة بمنزلة الأم.

2-


الخالة تقدم على غيرها في الحضانة إذا لم يوجد الأبوان.

3-


تزكية رسول الله × لجعفر بن أبى طالب رضي الله عنه ووصفه له بقوله: أشبهت خلقي وخلقي.

4-


منقبة زيد بن حارثة: يقول له الرسول: أنت أخونا ومولانا، لأنه كان أخًا لحمزة بن عبد المطلب، فقد آخي الرسول × بينهما، وهو باجتهاده يريد أن يكون عليه ما على الأخ الشقيق من واجبات، والواجب أن يكون وليًا على بنت حمزة رضي الله عنه.

5-


زواج المرأة لا يسقط حقها في الحضانة: لقد حكم النبي × إلى زوجة جعفر بالحضانة وعمتها صفية بنت عبد المطلب حية موجودة.

6-


لابد من موافقة الزوج على حضانة زوجته لابنة أختها، لأن الزوجة محتبسة لمصلحته ومنفعته، والحضانة قد تفوت هذه المصلحة جزئيًا، فلابد من استئذانه، ونلاحظ هنا أن جعفر بن أبى طالب قد طالب بحضانة بنت عمه حمزة لخالتها وهى زوجة له، فدل على رضاه بذلك.

7-

إن الطفل إذا رضع مع عمه يصبح أخًا له في الرضاعة، وتصبح بناته كلهن بنات أخيه من الرضاعة، فيحرم عليه نكاحهن(469).


خامسًا: علي رضي الله عنه في غزوة خيبر7هـ:
ذكر ابن إسحاق(470), أنها كانت في المحرم من السنة السابعة للهجرة، وذكر الواقدى(471) أنها كانت في صفر أو ربيع الأول من السنة السابعة للهجرة، بعد العودة من غزوة الحديبية، وذهب ابن سعد(472) إلى أنها في جمادى الأولى سنة سبع، وقال الإمامان الزهري ومالك: إنها في محرم من السنة السادسة(473) وقد رجح ابن حجر(474) قول ابن إسحاق على قول الواقدى(475), وفي هذه الغزوة تجلت بطولة أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ومكانته عند الله وعند رسوله، وما قدر الله من فتح هذه المستعمرة اليهودية، ذات الأهمية العسكرية الاستراتيجية على يده في مظهر جلى رائع(476), فقد كانت خيبر مستعمرة يهودية تتضمن قلاعًا حصينة، وقاعدة حربية لليهود، آخر معقل من معاقلهم في جزيرة العرب، وكانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويتآمرون مع يهود المدينة وخارجها لغزو المدينة، فأراد رسول الله × أن يستريح منهم، ويأمن من جهتهم، وكانت في الشمال الشرقي للمدينة على بعد سبعين ميلاً منها(477), توجه رسول الله × بجيشه إلى خيبر، وكانوا ألفًا وأربعمائة، ونازل حصون خيبر، وبدأ يفتحها حصنًا حصنًا، واستعصى حصن القموص على المسلمين، وكان على بن أبى طالب رمدًا(478), فقال رسول الله ×: "لأعطين هذه الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، فبات الناس يدوكون(479) ليلتهم أيهم يُعطاها؟ فلما أصبح الناس، غدوا على رسول الله × كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علىّ بن أبى طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال على: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم"(480) فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر، وكان من صور بطولته فيها أن خرج له مرحب ملكهم
وهو يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مُجرب
إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبُ
فقال على:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
كليث غابات كريه المنظرة
أُوفيهم بالصاع كيل السندرة
فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه(481).
وفي موقف على في غزوة خيبر دروس وعبر وفوائد منها:

1-
فضيلة عظيمة ومنقبة ظاهرة لأمير المؤمنين على رضي الله عنه:حيث شهد له النبي × بالمحبة في قوله: "يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" وقال ابن حجر في معنى أن عليًا يحب الله ورسوله أراد بذلك وجوب المحبة، وإلا فكل مسلم يشترك مع على في مطلق هذه الصفة. وفي هذا الحديث تلميح بقوله تعالى: +قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [آل عمران: 31]. فكأنه أشار إلى أن عليًا تام الاتباع لرسول الله × حتى اتصف بصفة محبة الله له(482).

2-

بركة دعائه ×: حيث استجاب الله لدعاء رسوله × وقد قال على رضي الله عنه: ما رَمِدْتُ منذ تفل النبي× في عيني(483), كما أن عليًا رضي الله عنه مرض مرة، فأتاه النبي × وهو يقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرًا فارفعني، وإن كان البلاء فصبرني، فقال له رسول الله ×: ما قلت؟ فأعاد عليه، فقال رسول الله ×: "اللهم اشفه، اللهم عافه"، ثم قال: قم. فقمت، فما عاد لي ذلك الوجع بعده(484).

3-

لا علاقة بين هذا الحديث وإمامة علي رضي الله عنه:ذهب الروافض إلى أن عليًا رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي ×، واستدلوا بمجموعة من الأحاديث تدل على فضله ولا تدل على إمامته، منها هذا الحديث وزادوا فيه زيادات باطلة لا تصح عند علماء الحديث، كما أنه لا ملازمة بين كونه محبًا لله ورسوله ومحبوبًا لهما وبين كونه إمامًا بلا فضل أصلاً. على أنه لا يلزم من إثباتهما له نفيهما عن غيره، كيف وقد قال الله تعالى في حق أبى بكر ورفقائه: +يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" [المائدة:54]، وقال في حق أهل بدر: +إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ" [الصف:4]، ولا شك أن من يحبه الله يحبه رسوله، ومن يحب الله من المؤمنين يحب رسوله، وقال في شأن أهل مسجد قباء: + فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" [التوبة:108].ولما سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قيل: ومن الرجال؟ قال: أبوها(485).وإنما نص على المحبة والمحبوبية في حق على مع وجودهما في غيره لنكتة دقيقة تحصل من ضمن قوله: "يفتتح الله على يديه"(486). وهي أنه لو ذكر مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد في قوله×: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". فأزال ذلك التوهم بإثبات هاتين الصفتين له، فصار المقصود من تخصيص مضمون "يفتح الله على يديه" وما ذكر من الصفات لإزالة ذلك الوهم(487).
4-




وهناك مجموعة من الفوائد من حديث فضل علىَّ في فتح خيبر منها:

- فضل الصحابة في انشغالهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح، لأنهم انشغلوا عنها بالتماسهم معرفة من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، والإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى، لأنَّ الصحابة غدوا على رسول الله مبكرين كلهم يرجون أن يُعطاها ولم يعطوها، وعلى بن أبى طالب مريض، ولم يسع لها، ومع ذلك أعطى الراية.

- الأدب في قوله: على رسلك، ووجهه أنه أمره بالتمهل وعدم التسرع، والدعوة إلى الإسلام قبل القتال، والدعوة بالحكمة، تؤخذ من قوله: أخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، لأن من الحكمة أن تتم الدعوة، وذلك بأن تأمره بالإسلام أولاً، ثم تخبره بما يجب عليه من حق الله، ولا يكفي أن تأمره بالإسلام لأنه قد يطبق هذا الإسلام الذي أمرته به، وقد لا يطبقه، بل لابد من تعاهده حتى لا يرجع إلى الكفر. والمعرفة بحق الله في الإسلام تؤخذ من قوله×: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه".
- ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد، لقوله ×: "لأن يهدى الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم" أي: خير لك من كل ما يستحسن في الدنيا، وليس المعنى كما قال بعضهم: خير لك من أن تتصدق بنعم حمر.
- الحلف على الفتيا لقوله × "فوالله لأن يهدى الله...إلخ فأقسم النبي × وهو لم يُستقسم، والفائدة: هى حثه على أن يهدى الله به والتوكيد عليه. وقد أمر الله رسوله بالحلف وفي ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، في قوله تعالى: +وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ" [يونس:53]، وفي قوله: +زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ" [التغابن: 7].وفي قوله تعالى: +وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ" [سبأ:3]، فإذا كان هناك في القَسَم مصلحة ابتداء، أو جوابًا لسؤال جاز وربما يكون مطلوبًا(488).

سادسًا: علي رضي الله عنه في فتح مكة وغزوة حنين 8هـ:
نقضت قريش صلحها مع رسول الله × بمساندتها بنى بكر على خزاعة حليف المسلمين، ودعمتهم بالخيل والسلاح والرجال، فقال رسول الله: "نصرت يا عمرو بن سالم، لا نصرني الله إن لم أنصر بنى كعب"ولما عرض السحاب من السماء قال: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بنى كعب"(489) وقد جاء عمرو بن سالم إلى المدينة وأنشد قصيدة بين يدي رسول الله × جاء فيها:
يا رب إني ناشد محمدًا
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدًا، وكنا ولدًا
ثُمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرًا أعتدا
وادع عباد الله ياتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا
إن سيم خسفا وجهه تربدا
إلى أن قال:
وزعموا أن لست أدعو أحدًا
وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدًا
وقتلونا رُكَّعا وسجدا
وبعثت قريش أبا سفيان إلى المدينة لتمكين الصلح وإطالة أمده، وعندما وصل إلى المدينة دخل على رسول الله × يعرض حاجته، أعرض عنه النبي × ولم يجبه، فاستعان بكبار الصحابة أمثال أبى بكر وعمر وعثمان وعلى حتى يتوسطوا بينه وبين رسول الله ×، فأبوا جميعًا، فعاد أبو سفيان إلى مكة من غير أن يحظى بأي اتفاق أو عهد(490), وكانت لعلي رضي الله عنه في فتح مكة مواقف متعددة منها:
1-
إحباط محاولة تجسس لصالح قريش: عن حسن بن محمد بن على بن عبيد الله ابن أبى رافع أنه سمع عليًا يقول: بعثني رسول الله × أنا والزبير والمقداد فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإنَّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها".فانطلقنا تَعَادى بنا خيْلُنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتاب. قلنا لتُخرجنَّ الكتاب أو لنُلقينَّ(491) الثياب قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب، فأتينا به رسول الله ×، فإذا فيه: من حاطب بن أبى بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ×، فقال رسول الله: يا حاطب ما هذا؟قال: لا تعجل علىَّ، إني كنت أمرأ مُلْصَقًا في قريش، ولم أكن من أنفُسها، وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم أن أتَّخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا، ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله: "إنه قد صدقكم" فقال عمر: دَعني أضرب عنُق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعلَّ الله قد اطَّلعَ إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم"(492).
2-
أجَرْنا من أجرت يا أم هانئ: قالت أم هانئ بنت أبى طالب - أخت على رضي الله عنهما-: لما نزل رسول الله × بأعلي مكة فر إلىَّ رجلان من أحمائى، من بنى مخزوم، وكانت عند هُبيرة بن أبى وهب المخزومي، قالت: فدخل علىَّ على بن أبى طالب أخي، فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله × وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه، فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلىَّ فقال: مرحبًا وأهلاً يا أم هانئ ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر على، فقال: قد أجرنا من أجرت وأمًَّنَّا من أمنت، فلا يقتلهما(493), وبناء على ما تقدم، فإن تأمين المسلم للكافر من أهل الحرب يجعله في أمان، ومن ثمّ فلا يجوز للمسلمين أن يتعرضوا له بشيء.. وحتى يُصان حقُّ التأمين هذا من أي ضرر يمكن أن يلحق بالمسلمين من جرَّائه - فقد شرط الفقهاء لصحتَّه أن يتجرَّدَ مُعْطي الأمان من التُّهمَة، ويَخْلُو ذلك الأمان الممنوح من أيَّة مفسدة(494), أو يرفع الأمر إلى ولي الأمر ليرى رأيه فيه.
3-


مقتل الحويرث بن نقيد بن وهب: في هذا الفتح العظيم، كان النبي × قد عهد إلى أمرائه ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر دمَ نفر سمّاهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم الحويرث بن نقيذ بن وهب، كان ممن يؤذي النبي × بمكة، ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم، نخس(495) بهما الحويرث الجمل الذي هما عليه فسقطتا على الأرض، فلما أهدر دمه وظفر به علىّ قتله(496).

4-

علي رضي الله عنه في مهمة إصلاحية:أرسله الرسول × إلى بنى جذيمة، ليتلافى خطأ خالد بن الوليد في قتل بعضهم، وذلك أن الرسول × بعث خالدًا في السنة الثامنة للهجرة عقب فتح مكة، إلى بنى جذيمة يدعوهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، وقالوا: صبأنا، فأخذ خالد يقتل منهم ويأسر.. فلما بلغ رسول الله × ما صنع خالد، رفع يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع، مرتين(497), فبعث الرسول × عليًا إليهم، لينظر في أمرهم وبعث معه بمال، فقام علىّ بمهمته خير قيام، فودى قتيلهم وعوضهم عما أصيب في الدماء والأموال حتى أنه ليدي ميلغة(498) الكلب، ولما انتهى من ذلك كله، سألهم: هل بقى لكم بقية من دم أو مال لم يود إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال، إحتياطًا لرسول الله × مما لايعلم ولا تعلمون، ففعل، ولما رجع إلى رسول الله × وأخبره بالخبر قال: "أصبت وأحسنت"(499). وبهذه المهمة الجليلة الموفقة، أزال على - رضي الله عنه- همًّا وحملاً أثقل الرسول ×(500), وبهذا الهدى النبوي الحكيم واسى النبي× بنى جذيمة، وأزال ما في نفوسهم من أسى وحزن(501), وكان قتل خالد لبنى جذيمة تأولاً منه واجتهادًا خاطئًا، وذلك بدليل أن الرسول × لم يعاقبه على فعله(502) , ولم يعزله.
5-
على رضي الله عنه في غزوة حنين: من أعماله الجهادية التي تتسم بالشجاعة وتدل على الخبرة في القتال ما كان في غزوة حنين في العام الثامن من الهجرة، فقد ثبت مع الرسول ×، مع من ثبت معه من المهاجرين والأنصار، وكان في جيش هوازن رجل على جمل أحمر بيده راية سوداء، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فأدرك على بعبقريته الحربية، وتجربته الطويلة، أن لهذا الرجل عاملاً مؤثرًا في حماس هوازن وشدتها، فاتجه على بن أبى طالب- رضي الله عنه - ورجل من الأنصار نحوه واستطاعا إسقاطه من على جمله وقتله، فما كانت إلا ساعة حتى انهزموا وولوا الأدبار وانتصر المسلمون(503).
6-




سرية علي رضي الله عنه لهدم الصنم الفلس في بلاد طئ:بعد أن طهر النبي × البيت الحرام من الأوثان التي كانت فيه، كان لابد من هدم البيوت التي كانت معالم للجاهلية ردحًا طويلاً من الزمن(504), فكانت سرايا رسول الله × تترى لتطهير الجزيرة منها، فكانت من نصيب على رضي الله عنه صنم الفلس في بلاد طئ، ففي ربيع الآخر خرجت سرية على بن أبى طالب إلى الفلس - صنم لطئ - ليهدمه، وكان تعدادها خمسين ومائة رجل من الأنصار، على مائة بعير وخمسين فرسًا، ومع راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم - حاتم الطائى الذي ضرب المثل بجوده - مع الفجر فهدموا الفلس وخربوه، وملأوا أيديهم من السبى والنعم والشاء،وفي السبى أخت عدى بن حاتم، وهرب عدى إلى الشام(505).


سابعًا: استخلاف النبي × لعلي على المدينة في غزوة تبوك 9هـ:
كان في رجب سنة تسع من الهجرة غزوة تبوك، وكانت لها أهمية كبيرة في السيرة النبوية، وتحققت منها غايات كانت بعيدة الأثر في نفوس المسلمين والعرب، ومجرى الحوادث في تاريخ الإسلام(506), واستعمل رسول الله × على المدينة عليًا، فوجد المنافقون فرصة للتنفيس عما بداخلهم من حقد ونفاق، فأخذوا يتكلمون في على رضي الله عنه بما يسئ إليه، فمن ذلك قولهم: ما تركه إلا لثقله عليه، وهذا العمل والقول السيئ منهم في حقه علامة بارزة واضحة على نفاقهم، ففي الحديث الصحيح أن عليًا رضي الله عنه قال: "والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي × أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"(507). عند ذلك أدرك على الجيش، وأراد الغزو معهم قائلاً: يا رسول الله أتخلفني في الصبيان والنساء، فقال رسول الله ×: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي"(508).


ثامنًا: علي رضي الله عنه ودوره الإعلامي في حجة أبى بكر بالناس 9هـ:
كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عهد النبي × مستمرة على كل الأصعدة والمجالات العقائدية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية، والتعبدية، وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، فحجة عام 8هـ بعد الفتح كلف بها عتاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين(509), فلما حل موسم الحج أراد × الحج ولكنه قال: إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت (510) , فلا أحب أن أحج. وكان ذلك في سنة9هـ فخرج أبو بكر ومعه عدد كبير من الصحابة، وساقوا معهم الهدي(511), فلما خرج الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة فدعا النبي × عليًا رضي الله عنه وأمره أن يلحق بأبى بكر الصديق، فخرج على ناقة رسول الله × العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر بذى الحليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سارا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانو عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول، فكان يعرف الناس مناسكهم: في وقوفهم وإفاضتهم، ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات.. إلخ، وعلى يخلفه في كل موقف من هذه المواقف، فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة، لا يدخل في الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي × عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا(512), وقد أمر الصديق رهطًا آخر من الصحابة لمساعدة على بن أبى طالب في إنجاز مهمته(513).
إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة نهائية مع الوثنية وأتباعها، حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم(514).
قال تعالى: + بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ( وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [التوبة:1-3].
وقد أمهل المعاهدون لأجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم، قال تعالى: +إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" [التوبة:4].
كما أُمهل من لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم، حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين، قال تعالى: + فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [التوبة:5].
وقد كلف النبي × عليًا بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج، مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم من عقد العهود ونقضها، ألا يتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للإسلام، فلذلك تدارك النبي × الأمر وأرسل عليًا بذلك، فهذا هو السبب في تكليف على بتبليغ صدر سورة براءة لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن عليًا أحق بالخلافة من أبى بكر، وقد علق الدكتور محمد أبو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق: أمير أم مأمور؟ (515) وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير(516), وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع، لقد أعلن في حجة أبى بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلاً، فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخولها في التوحيد(517).
تاسعًا: علي رضي الله عنه ووفد نصاري نجران، وآية المباهلة 9هـ:
كتب رسول الله × إلى نجران(518) كتابًا قال فيه: "أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية. فإن أبيتم آذنتكم بحرب. والسلام"(519) فلما أتى الأسقف الكتاب، جمع الناس وقرأه عليهم، وسألهم عن الرأي فيه؟ فقرروا أن يرسلوا إليه وفدًا يتكون من أربعة عشر من أشرافهم، وقيل: ستين راكبًا، منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذين يصدرون عن رأيه، والسيد وهو صاحب رحلتهم، وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم(520), ولما جاء وفد نصاري نجران إلى رسول الله × بالمدينة، وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حللاً لهم يجرونها من الحبرة، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ×، فسلموا عليه، فلم يرد عليهم السلام، وتصدوا لكلامه طويلاً، فلم يكلمهم، وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنهما- وكانا على معرفة لهم، كانا يخرجان العير في الجاهلية إلى نجران، فيشتري لهما من برها وثمرها وذرتها، فوجدوهما في ناس من الأنصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان، ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا بكتاب، فأقبلنا مجيبين له، فسلمنا عليه، فلم يرد علينا سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلاً، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أنعود؟
فقالا لعلي بن أبى طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ قال: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يأتوا إليه، ففعل الوفد ذلك، فوضعوا حللهم وخواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول الله × فسلموا عليه، فرد سلامهم، ثم سألهم وسألوه فلم تزل بهم وبه المسألة(521). وقالوا لرسول الله ×:كنا مسلمين قبلكم، فقال النبي ×: "يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدًا"(522) وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم، والنبي يتلو عليهم القرآن ويقرع باطلهم بالحجة، وكان مما قالوه لرسول الله ×: ما لك تشتم صاحبنا وتقول: إنه عبد الله، فقال: "أجل إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول"، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانًا قط من غير أب، فإن كنت صادقًا فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الرد عليهم قوله سبحانه: + إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ" [آل عمران: 59، 60]. فكانت حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه(523), فلما لم تُجد معهم المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة(524), امتثالاً لقوله تعالى: + فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ" [آل عمران:61].
وخرج النبي × ومعه الحسن والحسين وفاطمة وقال: "وإذا أنا دعوت فأمَّنوا"(525). فائتمروا فيما بينهم، فخافوا الهلاك لعلمهم أنه نبى حقًا، وأنه ما باهل قوم نبيًا إلا هلكوا، فأبوا أن يلاعنوه وقالوا: احكم علينا بما أحببت، فصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب وألف في صفر(526).

عاشرًا: علي رضي الله عنه داعيًا وقاضيًا في اليمن 10هـ:
بعد فتح مكة استجابت القبائل العربية بالجزيرة إلى الإسلام، وكان رسول الله × يرسل الدعاة إلى القبائل التي لم تستجب بعد، فأرسل عليًا رضي الله عنه إلى همدان باليمن، وهذا البراء بن عازب - رضي الله عنه- يحدثنا عما حدث في ذهابه مع على رضي الله عنه لليمن فيقول:..فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلى على بنا الفجر، فلما فرغ، صفنا صفًا واحدًا ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ×، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب بذلك إلى رسول الله ×، فلما قرأ كتابه خر ساجدًا، وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان"(527), لقد كان رسول الله × حريصًا على الجبهة الجنوبية للدولة وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام، وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة، مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصلاً وبعيد المدى، وكانت سرايا رسول الله × تساند هذا النشاط الدعوي السلمى، حيث بعث خالد بن الوليد ثم على بن أبى طالب رضي الله عنهما، فقد كان × يركز على مفاصل القوى، ومراكز التأثير في المجتمعات وبناء الدول ومارس هذا الفقه العظيم في حياته(528).

هذا وقد أمر رسول الله × عليًا بأن يقضي بين الناس في اليمن، وهذا على رضي الله عنه يحدثنا بنفسه حيث قال: بعثني رسول الله × إلى اليمن، فقلت له: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حدث لا أبصر القضاء، قال: فوضع يده على صدري، وقال: "اللهم ثبت لسانه واهد قلبه، يا على إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع الآخر، ما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء"، قال: فما اختلف على قضاء بعد، أو ما أشكل على قضاء بعد(529).






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
آخر تعديل 161970 يوم 12-18-2010 في 03:26 AM.
رد مع اقتباس
قديم 12-18-2010, 03:28 AM رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

لقد احتاج اليمنيون بعد انتشار الإسلام في بلادهم من يفقههم في أمور دينهم، ويعلمهم ويقضي بينهم بحكم الله عز وجل، فبعث رسول الله × عددًا من الصحابة إلى أرجاء اليمن منهم معاذ وأبو موسى الأشعري، وكان من أفضلهم على بن أبى طالب رضي الله عنه، وقد حفظت لنا كتب التاريخ والحديث والفقه مجموعة من القضايا التي حكم فيها على رضي الله عنه وهو باليمن منها:
1-
قضاؤه في الأربعة الذين تدافعوا عند زُبية(530) للأسد:عن حنش عن على رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله × إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زُبْيَة(531) للأسد، فبينما هم كذلك يتدافعون؛ إذا سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق رجل بآخر، (532) حتى صاروا فيه أربعة فَجَرحَهم الأسد؟، فانتدب له رجل بِحَربْة فقتله، وماتوا من جراحتهم كلهم، فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم على على تفيئة(533) ذلك، فقال: تريدون أن تقاتلوا ورسول الله × حي، إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم فهو القضاء، وإلا حجز بعضكم عن بعض، حتى تأتوا النبي × فيكون هو الذي يقضي بينكم، فمن عَدا بعد ذلك فلا حق له، اجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة، فللأول الربع لأنه أهلك من فوقه، وللثاني ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية كاملة فأبوا أن يرضوا، فأتوا النبي × وهو عند مقام إبراهيم فقصُّوا عليه القصة، فقال: أنا أقضي بينكم واحتبي، فقال رجل من القوم: إن عليًا قضى فقصَّوا عليه فأجازه رسول الله ×(534).
2-
ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر: عن زيد بن الأرقم أنه قال: أتى على بثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين، قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثى الدية(535)، قال: فذكر ذلك لنبي الله × فضحك حتى بدت نواجذه(536), وكان ضحك رسول الله × فرحًا وسرورًا بتوفيق الله تعالى عليًا للصواب.
ولذلك أقره على ذلك(537), ويحتمل أن ما حصل من أولئك النفر إنما كان قبل إسلامهم، لأن فعلهم محرم في دين الله تعالى(538).

الحادي عشر: علي رضي الله عنه في حجة الوداع:
أدرك علىّ رضي الله عنه رسول الله × في حجة الوداع، ونحر رسول الله ثلاثًا وستين بدنة بيده، وكان عدد هذا الذي نحره عدد سنىَّ عمره، ثم أمسك، وأمر عليًا أن ينحر ما بقى من المائة، ففعل وأكمل العدد، وقد وصف لنا على رضي الله عنه بعض المناسك في حجته مع رسول الله ×، فعن على بن أبى طالب رضي الله عنه: أن النبي × وقف بعرفة وهو مُردف أسامة بن زيد، فقال: "هذا الموقف وكل عرفة موقف"، ثم دفع يسير العَنَقَ، وجعل الناس يضربون يمينًا وشمالاً، وهو يلتفت ويقول: "السكينة أيها الناس، السكينة أيها الناس" حتى جاء المزدلفة، وجمع بين الصلاتين، ثم وقف بالمزدلفة، فوقف على قُزَحَ، وأردف الفضل بن العباس، وقال: "هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف"ثم دفع وجعل يسير العَنَقَ، والناس يضربون يمينًا وشمالاً، وهو يلتفت ويقول: "السَّكينة، السَّكينة، أيها الناس" حتى جاء مُحسرًا فقرع راحلته فخبَّت، حتى خرج، ثم عاد لسَيْره الأول، حتى رمى الجمرة، ثم جاء المنَحْر فقال: هذا المنحر، وكلُّ منى منَحْر، ثم جاءت امرأة شابة من خَثعَمَ، فقالت، إن أبى شيخ كبير، وقد أفند، وأدركته فريضة الله في الحج، ولا يستطيع أداءها، فُيجزئ عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله ×: نعم، وجعل يصرف وجه الفضل بن العباس عنها. ثم أتاه رجل آخر، فقال: إني رميت الجمرة وأفضت ولبستُ ولم أحلق. قال: فلا حرج، فاحلْق.ثم أتاه رجل آخر، فقال: إني رميت وحلقت ولبست ولم أنحر. فقال: لا حرج فانحر. ثم أفاض رسول الله ×، فدعا بسَجْل من ماء زمزم، فشرب منه وتوضأ، ثم قال: انزعوا(539) يا بنى عبد المطلب، فلولا أن تُغْلَبوا عليها لَنَزَعْتُ.قال العباس: يا رسول الله، إني رأيتك تصرف وجه ابن أخيك؟ قال: إني رأيت غلامًا شابًا، وجارية شابة فخشيت عليهما الشيطان(540).وقد كان على رضي الله عنه يعلن على الناس ما أمره به النبي ×، فعن عمرو بن سليم عن أمه قالت: بينما نحن بمنى إذا على بن أبى طالب رضي الله عنه يقول: إن رسول الله × قال: "إن هذه أيام أكل وشرب، فلا يصومها أحد"، واتّبع الناس على جمله يصرخ بذلك(541).

الثاني عشر: تشرفه بغسل النبي × ودفنه:
لما توفى النبي × كان على ممن باشر غسله مع الفضل بن العباس وأسامة بن زيد(542). وقال على رضي الله عنه: غسلت رسول الله ×، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا وكان طيبًا حيًا وميتًا(543), وقال: بأبى الطيب، طبت حيًا وطبت ميتًا(544), وكان على رضي الله عنه من ضمن من نزل في قبر رسول الله × وباشروا دفنه هو والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله ×(545), لقد كان نبأ وقاة رسول الله × على الصحابة الكرام كالصاعقه لشدة حبهم له وما تعودّوه من العيش في كنفه، عيش الأبناء في حجر الآباء بل أكثر من ذلك، وكان حظ أهل البيت والأسرة الهاشمية - وعلى رأسها فاطمة بنت رسول الله × وعلى بن أبى طالب - أوفر وأكثر بطبيعة الحال، وبحكم الفطرة السليمة والقرابة القريبة، وما يمتازون به من رقة الشعور، وقوة العاطفة، وشدة الحب ولكن احتملوه بقوة إيمانهم والرضا بقضاء الله والاستسلام لأمره(546).

الثالث عشر: قصة الكتاب الذي همّ النبي × بكتابته في مرض موته:
ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: لما حُضر رسول الله × وفي البيت رجال فقال النبي ×:"هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، فقال بعضهم: إن رسول الله × قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ×: قوموا. قال عبد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله × وبين أن يكتب الكتاب لاختلافهم ولغطهم(547), وفي رواية أخرى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله × وجعه، فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا: ما شأنه؟ أهجر، استفهموه، فذهبوا يرددون عليه فقال: دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم،وسكت عن الثالث، أو قال: فنسيها(548), وليس فيما ثبت في هذا الحديث ورواياته الصحيحة أي مطعن على أصحاب رسول الله، وأما ما ذكره الروافض من مطاعن فباطلة معلومة الفساد، وقد أجاب العلماء قديمًا عن بعضها ومن هذه الردود:
1-
اختلاف الصحابة ثابت، وكان سببه اختلافهم في فهم قول الرسول × ومراده لا عصيانه، قال القرطبي صاحب المفهم: وسبب ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول(549)، ثم ذكر أن النبي × لم يعنفهم ولا ذمهم بل قال للجميع: دعوني فالذي أنا فيه خير (550)، وهو نحو ما جرى لهم يوم الأحزاب حيث قال لهم الرسول ×: "لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة"(551), فتخوف ناس فوات الوقت،؟ فصلوا دون بنى قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله فما عنف أحد الفريقين(552).

2-
وأما ما ادعاه الروافض من أن اختلاف الصحابة وما ترتب عليه من عدم كتابة النبي × لهم ذلك الكتاب هو الذي حرم الأمة من العصمة، فهذا باطل لأنه يعني أن الرسول × قد ترك تبليغ ما فيه عصمتها من الضلال، ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلاف أصحابه عنده حتى مات على ذلك، وأنه بهذا مخالف لأمر ربه في قوله: +يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" [المائدة:67]. وإذا كان الرسول × مبرأ من ذلك ومنزهًا بتزكية ربه له في قوله: + لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [التوبة:128]، فوصفه بالحرص على أمته، أي على هدايتهم، ووصول النفع الدنيوى والأخروى لهم، ذكره ابن كثير في تفسيره(553)، وإذا كان هذا الأمر معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام عند الخاص والعام، لا يشك فيه من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وأن هذا الرسول الكريم قد بلغ كل ما أمر به، وكان أحرص ما يكون على أمته، بما هو متواتر من جهاده وتضحيته، وأخباره الدالة على ذلك، علمنا علمًا يقينًا لا يشوبه أدنى شك، أنه لو كان الأمر كما يذكر الروافض من الوصف لهذا الكتاب من أن به عصمة الأمة من الضلال في دينها، ورفع الفرقة، والاختلاف فيما بينها إلى أن تقوم الساعة، لما ساغ في دين ولا عقل أن يؤخر رسول الله كتابه إلى ذلك الوقت الضيق، ولو أخره ما كان ليتركه لمجرد اختلاف أصحابه(554), ولا يتصور أن النبي × يترك أمر ربه، ولو قدر أنه تركه في ذلك الوقت لتنازعهم عنده لمصلحة رآها، فما الذي يمنعه من أن يكتبه بعد ذلك، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك عدة أيام، فقد كانت وفاته - عليه الصلاة والسلام - يوم الاثنين على ما جاء مصرحًا به في رواية أنس في الصحيحين(555), وحادثة الكتاب يوم الخميس بالاتفاق(556), وقد ثبت باتفاق السنة والرافضة، أن رسول الله لم يكتب ذلك الكتاب حتى مات، علمنا أنه ليس من الدين الذي أمر بتبليغه لما دل عليه القرآن من أن الله قد أكمل له ولأمته الدين، فأنزل عليه قبل ذلك في حجة الوداع: +الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" [المائدة:3]، قال ابن تيمية: ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك × ما أمره الله به، لكن ذلك مما رأه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبى بكر، ورأى أن الخلاف لابد أن يقع(557), وقال في موضع آخر: وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله × يريد أن يكتبه، فقد جاء مبينًا كما في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنه- قالت: قال رسول الله × في مرضه: "ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"(558), إلى أن قال بعد ذكر روايات الحديث: والنبي × قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة، فلما رأى أن الشك قد وقع، علم أن الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق فيه فائدة، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه كما قال: ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر(559).

وأما قوله في الحديث: "لن تضلوا بعدي" فيقول الدهلوى في توجيهه: فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمرًا دينيًا فلم قال: لن تضلوا بعدي؟قلنا: للضلال معان، والمراد به هنا عدم الخطأ في تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزه، وتجهيز أسامة، لا الضلالة والغواية عن الدين وهو ما فعله أبو بكر والصحابة من بعده(560).
3-
وأما معنى قول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله × وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب(561), فكما قال ابن تيمية في معناه: يقتضي أن الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، واشتبه عليه الأمر، فإنه لو كان هناك كتاب لزال الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد(562).
ويوضح ذلك أن ابن عباس - رضي الله عنه - ما قال ذلك إلا بعد ظهور أهل الأهواء والبدع، من الخوارج والروافض، نص على هذا ابن تيمية(563), وابن حجر(564).
4-
وأما ادعاؤهم أن النبي × أراد بذلك الكتاب أن ينص على خلافة على - رضي الله عنه - وزعم بعض الروافض أنه ليس هناك تفسير معقول غيره، فهذا الادعاء باطل.
قال ابن تيمية: ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة على فهو ضال باتفاق عامة الناس، من علماء السنة والشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبى بكر وتقديمه، وأما القائلون بأن عليًا كان مستحقًا للإمامة فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصًا جليًا ظاهرًا معروفًا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى الكتاب(565).
5-
وأما طعن الروافض على عمر - رضي الله عنه - وزعمهم بأنه قد اتهم رسول الله × بأنه لا يعى ما يقول: وقال: "إنه يهجر" ولم يمتثل قوله، قال: "عندكم كتاب الله"، "حسبنا كتاب الله" فجوابه: أن ما ادعاه أولاً بأن عمر اتهم رسول الله بالهجر وأنه لا يعى ما يقول فهذا باطل، وذلك أن هذه اللفظة (أهجر) لا تثبت عن عمر - رضي الله عنه - أصلاً، وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من غير أن تعين الروايات الواردة في الصحيحين قائلها، وإنما الثابت فيها"فقالوا: ما شأنه أهجر"(566), هكذا بصيغة الجمع دون الإفراد، ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلام عمر، قال ابن حجر: ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات، التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع، قد يشتغل به عن تحرير ما يريد(567), وقال الدهلوى: من أين يثبت قائل هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر الروايات (قالوا) بصيغة الجمع(568).

إن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الإستفهام هكذا(أهجر؟) وهذا بخلاف ما جاء في بعض الروايات بلفظ (هجر، ويهجر) فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون وشراح الحديث، منهم القاضي عياض(569), والقرطبي(570), والنووي(571), وابن حجر(572), فقد نصوا أن الاستفهام جاء في سبيل الإنكار على من قال: لا تكتبوا(573), قال القرطبي بعد أن ذكر الأدلة على عصمة النبي × من الخطأ في التبليغ في كل أحواله، وتقرر ذلك عند الصحابة، وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم (أهجر)، لشك عرض لهم في صحة قوله، زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف؟ أتظن أنه قال هذيانًا؟ فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه يقول الحق لا الهجر، وهذا أحسن ما يحمل عليه(574), وهذا يدل على اتفاق الصحابة على استحالة الهجر على رسول الله ×، حيث إن قائليها أوردوها على سبيل الإنكار الملزم، الذي لا يشك في المخالف، وبه تبطل دعوى الروافض من أصلها(575).
6-
أما ادعاؤهم من معارضة عمر لرسول الله × بقوله: عندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله، وأنه لم يمتثل أمر رسول الله × فيما أراد من كتابة الكتاب، فالرد على هذه الشبهة الواهية، أن عمر - رضي الله عنه - ومن كان على رأيه من الصحابة، ظهر لهم أن أمر الرسول بكتابة الكتاب ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، وقد نبه على هذا القاضي عياض(576), والقرطبي(577), والنووي(578) وابن حجر(579), ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر - رضي الله عنه - وذلك بترك الرسول × كتابة الكتب، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، ولهذا عد هذا من موافقات عمر(580), كما أن قول عمر - رضي الله عنه: حسبنا كتاب الله، رد على من نازعه لا على أمر النبي ×، وهذا ظاهر من قوله: عندكم كتاب الله، فإن المخاطب جمع، وهم المخالفون لعمر - رضي الله عنه - في رأيه، كما أن عمر - رضي الله عنه - كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب، بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب، وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها، أقول: منها شفقته على رسول الله مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: إن رسول الله قد غلبه الوجع، فكره أن يتكلف رسول الله ما يشق ويثقل عليه(581), مع استحضار قوله تعالى: +مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ" [الأنعام:38]. وقوله تعالى: + تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ" [النحل:89].

قال النووي: وأما كلام عمر- رضي الله عنه - فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله ودقيق نظره(582).

كما أن عمر - رضي الله عنه - كان مجتهدًا في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل، بل مأجور لقول النبي ×: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"(583), فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور رسول الله × فلم يؤثمه ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك الكتاب، وبهذا يظهر بطلان طعن الروافض على الصحابة في هذه الحادثة، وينكشف زيف ما قالوه في حقهم(584).






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
آخر تعديل 161970 يوم 12-20-2010 في 05:56 PM.
رد مع اقتباس
قديم 12-20-2010, 05:58 PM رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

الفصل الثاني
علي بن أبى طالب رضي الله عنه في عهد الخلفاء الراشدين
المبحث الأول
علي بن أبى طالب رضي الله عنه في عهد الصديق
أولاً: مبايعة علي لأبى بكر بالخلافة رضي الله عنهما:
وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق، وكذا تأخر الزبير بن العوام، وجُلّ هذه الأخبار ليست بصحيحة، وقد جاءت روايات صحيحة السند تفيد بأن عليًا والزبير - رضي الله عنهما- بايعا الصديق في أول الأمر، فعن أبى سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: لما توفى رسول الله × قام خطباء الأنصار..فذكر بيعة السقيفة(585), ثم قال: ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا، فسأل عنه، فقام أناس من الأنصار، فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله × وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ×، فبايعه، ثم لم ير الزبير بن العوام، فسأل عنه حتى جاءوا به، فقال: ابن عمّة رسول الله × وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعاه(586). ومما يدل على أهمية حديث أبى سعيد الخدري الصحيح أن الإمام مسلم بن الحجاج صاحب الجامع الصحيح- الذي هو أصح الكتب الحديثية بعد صحيح البخاري - ذهب إلى شيخة الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة - صاحب صحيح ابن خزيمة- فسأله عن هذا الحديث، فكتب له ابن خزيمة الحديث، وقرأه عليه، فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة: هذا الحديث يساوى بدنة، فقال ابن خزيمة: هذا الحديث لا يساوى بدنة(587) فقط، إنه يساوى بدرة مال(588), وعلق على هذا الحديث ابن كثير - رحمه الله - فقال: هذا إسناد صحيح محفوظ، وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة على بن أبى طالب، إما في أول يوم، أو في الثاني من الوفاة، وهذان حق، فإن على بن أبى طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلفه(589), وفي رواية حبيب بن أبى ثابت، حيث قال: كان على بن أبى طالب في بيته، فأتاه رجل، فقال له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج علىّ إلى المسجد في قميص له، ما عليه إزار ولا رداء، وهو متعجَّل، كراهة أن يبطئ عن البيعة، فبايع أبا بكر، ثم جلس، وبعث إلى ردائه فجاءوه به، فلبسه فوق قميصه(590). وقد سأل عمرو بن حريث سيعد بن زيد، رضي الله عنه، فقال له: متى بويع أبو بكر؟ قال سعيد: يوم مات رسول الله ×، كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم، وليسوا في جماعة.
قال: هل خالف أحد أبا بكر؟ قال سعيد: لا. لم يخالف إلا مرتد، أو كاد أن يرتد، وقد أنقذ الله الأنصار، فجمعهم عليه وبايعوه. قال: هل قعد أحد من المهاجرين عن بيتعه؟ قال سعيد: لا لقد تتابع المهاجرون على بيعته(591), وكان مما قال على - رضي الله عنه - لابن الكواء وقيس بن عباد حينما قدم البصرة وسألاه عن مسيره قال: "لو كان عندي من
النبي × عند في ذلك ما تركت أخا بنى تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما ولو لم أجد إلا بردى هذا، ولكن رسول الله × لم يقتل قتلاً ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أيامًا وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلى بالناس، وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبى بكر فأبى وغضب وقال: "أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس" فلما قبض الله نبيه ونظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله, وكانت الصلاة أصل الإسلام, وهي أعظم الأمور وقوام الدين، فبايعنا أبو بكر، وكان لذلك أهلاً، ولم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأديت إلى أبى بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطى(592).
وكان مما قال في خطبته على منبر الكوفة في ثنائه على أبى بكر وعمر: "فأعطي المسلمون البيعة طائعين، فكان أول من سبق في ذلك من ولد عبد المطلب أنا"(593), وجاءت روايات أشارت إلى مبايعة على لأبى بكر- رضي الله عنهما - في أول الأمر وإن لم تصرح بذلك، فعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: إن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ثم قام أبو بكر فخطب الناس، واعتذر إليهم وقال: "والله ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغبًا، ولا سألتها الله عز وجل في سر ولا علانية، ولكنى أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمرًا عظيمًا ما لي به من طاقة ولابد إلا بتقوية الله عز وجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني اليوم"، فقل المهاجرون منه ما قال، وما اعتذر به. قال على رضي الله عنه والزبير: "ما غضبنا إلا لأنا قد أخرنا عن المشاورة، وأنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ×، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعلم بشرفه، وكبره، ولقد أمره رسول الله × بالصلاة بالناس وهو حي"(594). وعن قيس العبدي قال: "شهدت خطبة على يوم البصرة قال: فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي × وما عالج من الناس، ثم قبضه الله عز وجل إليه، ثم رأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر- رضي الله عنه - فبايعوا وعاهدوا وسلموا، وبايعت وعاهدت وسلمت، ورضوا ورضيت، وفعل من الخير وجاهد حتى قبضه الله عز وجل، رحمة الله عليه"(595).
إن عليًا رضي الله عنه لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات، وكان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين. ويرى ابن كثير ومجموعة من أهل العلم أن عليًا جدد بيعته بعد ستة أشهر من البيعة الأولى أي بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، وجاءت في هذه البيعة روايات صحيحة(596). ولكن لما وقعت البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليًا لم يبايع قبلها، فنفى ذلك والمثبت مقدم على النافي(597).
وهناك كتاب اسمه "الإمام على جدل الحقيقة والمسلمين الوصية والشورى" لمحمود محمد العلى زعم صاحبه بأنه يبحث وينشد الحقيقة، ولكن صاحبه لم يتخلص من المنهج الشيعي الرافضي في الطرح ووضع السمّ في العسل، ولذلك وجب التنبيه، وقد تعرض لبيعة على رضي الله عنه، وزعم بأن أحقية على رضي الله عنه بالخلافة قائمة على الوصية.
ثانيًا: علي رضي الله عنه ومساندته لأبى بكر في حروب الردة:
كان علي رضي الله عنه لأبى بكر رضي الله عنه عيبة(598) نصح له، مرجحًا لما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين على أي شيء آخر، ومن الدلائل الساطعة على إخلاصه لأبى بكر ونصحه للإسلام والمسلمين وحرصه على الاحتفاظ ببقاء الخلافة واجتماع شمل المسلمين ما جاء من موقفه من توجه أبى بكر رضي الله عنه بنفسه إلى ذي القصة، وعزمه على محاربة المرتدين، وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم بنفسه، وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود الإسلامي(599), فعن ابن عمر، رضي الله عنه يقول: "أقول لك ما قال رسول الله × يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا"، فرجع(600) فلو كان على رضي الله عنه - أعاذه الله من ذلك - لم ينشرح صدره لأبى بكر وقد بايعه على رغمًا من نفسه، فقد كانت هذه فرصة ذهبية ينتهزها على، فيترك أبا بكر وشأنه، لعله يحدث به حدث فيستريح منه ويصفو الجو له، وإذا كان فوق ذلك - حشاه الله - من كراهته له، وحرصه على التخلص منه، أغرى به أحدًا يغتاله، كما يفعل الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم(601), وقد كان رأي علي رضي الله عنه مقاتلة المرتدين، وقال لأبى بكر لما قال لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أقول: إنك إن تركت شيئًا مما كان أخذه منهم رسول الله فأنت على خلاف سنة الرسول، فقال: أما لئن قلت ذاك لأقاتلنهم وإن منعوني عقالاً(602).
ثالثًا: تقديم علي رضي الله عنه لأبى بكر:
تواترت الأخبار عن على رضي الله عنه في تفضيله وتقديمه لأبى بكر رضي الله عنه، فمن ذلك:

1-
عن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبى: أي الناس خير بعد رسول الله ×؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين(603).

2- عن على رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر. ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبى بكر: عمر(604).
3-
عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال:قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول الله × فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم(605).

4-
وقال علي رضي الله عنه:لا يفضلنى أحد على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى(606).

5-
قول علي لأبى سفيان رضي الله عنهما:إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً.

وهناك آثار يستأنس بها في إيضاح العلاقة الطيبة بين على وأبى بكر منها:
(أ) عن عقبة بن الحارث قال:خرجت مع أبى بكر الصديق من صلاة العصر بعد وفاة النبي × بليال وعلى يمشى إلى جنبه، فمر بحسن بن على يلعب مع غلمان، فاحتملهن على رقبته وهو يقول:
بأبى يشبه النبي
ليس شبيهًا بعلي
قال: وعلى يضحك(607).
(ب) وعن على رضي الله عنه قال: "من فارق الجماعة شبرًا، فقد نزع ربقة الإسلام من عنقه(608)" فهل كان على يفعل ذلك؟ كان رضي الله عنه يكره الاختلاف ويحرص على الجماعة. قال القرطبي: من تأمل ما دار بين أبى بكر وعلى من المعاتبة ومن الاعتذار، وما تضمن ذلك من الاتفاق عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الآخر، وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحيانًا، لكن الديانة ترد بذلك - والله الموفق-(609).
وأما ما قيل من تخلف الزبير بن العوام عن البيعة لأبى بكر، فإنه لم يرد من طريق صحيح، بل ورد ما ينفي هذا القول، ويثبت مبايعته في أول الأمر، وذلك في أثر أبى سعيد الصحيح وغيره من الآثار(610).
(ج) قال ابن تيمية:وقد تواترت عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال: "خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"، وقد روى هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا، وعنه أنه يقول: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى"(611). وقال أيضًا: ولم يقل قط أني أحق بهذا - أي الخلافة - من أبى بكر ولا قاله أحد من بعينه أن فلانًا أحق بهذا الأمر من أبى بكر، وإنما قال من فيه أثر لجاهلية عربية أو فارسية إن بيت الرسول أحق بالولاية لأن العرب في جاهليتها كانت تقدم أهل الرؤساء، وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك، فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا(612).
(د) تسمية أبى بكر بالصديق وشهادة على له بالسبَّاق والشجاعة:عن يحيى بن حكيم ابن سعد قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يحلف: لله أنزل اسم أبى بكر من السماء، الصديق(613), وعن صلة بن زفر العبسى قال: كان أبو بكر إذا ذكر عند على قال: السبَّاق تذكرون والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر(614), وعن محمد بن عقيل بن أبى طالب قال: خطبنا على فقال: أيها الناس من أشجع الناس؟ قلنا: أنت يا أمير المؤمنين. قال ذاك أبو بكر الصديق إنه لما كان في يوم بدر وضعنا لرسول الله العريش(615) فقلنا: من يقم عنده لا يدنو إليه أحد من المشركين؟ فما قام عليه إلا أبو بكر، وإنه كان شاهرًا السيف على رأسه كلما دنا إليه أحد هوى إليه أبو بكر بالسيف، ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش عند الكعبة فجعلوا يتعتعونه ويترترونه(616) ويقول: أنت الذي جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا إليه إلا أبو بكر ولأبي بكر يومئذ ضفيرتان(617), فأقبل يجأ(618) هذا، ويدفع هذا، ويقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم.. وقطعت إحدى ضفيرتي أبى بكر، فقال على لأصحابه: ناشدتكم الله أي الرجلين خير، مؤمن آل فرعون أم أبو بكر؟ فأمسك القوم، فقال على: والله ليوم من أبى بكر خير من مؤمن آل فرعون، ذلك رجل كتم إيمانه فأثنى الله عليه، وهذا أبو بكر بذل نفسه ودمه لله(619).
رابعًا: اقتداء على بالصديق في الصلوات وقبول الهدايا منه:
إن عليًا رضي الله عنه كان راضيًا بخلافة الصديق ومشاركًا له في معاملاته وقضاياه، قابلاً منه الهدايا رافعًا إليه الشكاوي، مصليًا خلفه، محبًا له، مبغضًا من بغضه(620), وشهد بذلك أكبر خصوم الخلفاء الراشدين، وأصحاب النبي × ومن تبعهم بهديهم، وسلك مسلكهم، ونهج منهجهم(621), فهذا اليعقوبي الشيعي الغالي في تاريخه يذكر أيام خلافة الصديق فيقول: وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فشاور جماعة من أصحاب رسول الله ×، فقدموا وأخروا فاستشار على بن أبى طالب فأشار أن يفعل، فقال: إن فعلت ظفرت؟ فقال: بشرت بخير، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا، وأمرهم أن يتجهزوا إلى الروم، وفي رواية: سأل الصديق عليًا كيف ومن أين تبشر؟ قال: من النبي × حيث سمعته يبشر بتلك البشارة، فقال أبو بكر: سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن، سرك الله(622).
ويقول اليعقوبي أيضًا: وكان ممن يؤخذ عنهم الفقه في أيام أبى بكر على بن أبى طالب وعمر ابن الخطاب ومعاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود(623), فقدم عليًا على جميع أصحابه، وهذا دليل واضح على تعاملهم مع بعضهم وتقديمهم عليًا في المشورة(624) والقضاء، فعندما كتب خالد بن الوليد إلى أبى بكر بقوله له: أنه وجد رجلاً في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر لذلك أصحاب رسول الله × منهم على، فقال على: إن هذا ذنب لم يعمل به إلا أمة واحدة(625), ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقه بالنار، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله أن يحرق بالنار، فأمر به أبو بكر أن يحرق بالنار(626) وكان على رضي الله عنه يمتثل أوامر الصديق؛ فعندما جاء وفد من الكفار إلى المدينة، ورأوا بالمسلمين ضعفًا وقلة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد واستئصال شأفة المرتدين والبغاة الطغاة، وأحس منهم الصديق خطرًا على عاصمة الإسلام والمسلمين، أمر الصديق بحراسة المدينة وجعل الحرس على أنقابها يبيتون بالجيوش، وأمر عليًا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود أن يرأسوا هؤلاء الحراس، وبقوا كذلك
حتى أمنوا منهم(627).
وللتعامل الموجود بينهم وللتعاطف والتواد والوئام الكامل كان على وهو سيد أهل البيت ووالد سبطي الرسول × يتقبل الهدايا والتحف، دأب الإخوة المتساوين فيما بينهم والمتحابين كما قبل الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر، وولدت له عمر ورقية(628), وأيضًا منحه الصديق خولة بنت جعفر بن قيس التي أسرت مع من أسر في حرب اليمامة وولدت له أفضل أولاده بعد الحسن والحسين وهو محمد ابن الحنفية، وكانت خولة من سبى أهل الردة وبها يعرف ابنها ونسب إليها محمد ابن الحنفية(629), يقول الإمام الجوينى عن بيعة الصحابة لأبى بكر: وقد اندرجوا تحت الطاعة عن بكرة أبيهم لأبى بكر - رضي الله عنه - وكان على رضي الله عنه سامعًا لأمره، وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد، ونهض إلى غزو بنى حنيفة(630).
ووردت روايات عديدة في قبوله هو وأولاده الهدايا المالية، والخمس، وأموال الفئ من الصديق رضي الله عنهم أجمعين، وكان على هو القاسم والمتولى في عهده على الخمس والفئ، وكانت هذه الأموال بيد على، ثم كانت بيد الحسن ثم بيد الحسين، ثم الحسن بن الحسن ثم زيد بن الحسن(631), وكان على رضي الله عنه يؤدي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصديق، راضيًا بإمامته، ومظهرًا للناس اتفاقه ووئامه معه(632), وكان على رضي الله عنه يروى عن أبى بكر بعض أحاديث رسول الله ×، فعن أسماء بنت الحكم الفزاري قالت: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: كنت إذا سمعت من رسول الله علمًا نفعني الله به، وكان إذا حدثني عنه غيري استحلفته فإذا حلف صدقته، وحدثني أبو بكر- وصدق أبو بكر - قال: سمعت رسول الله × يقول: "ما من عبد مسلم يذنب ذنبًا ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلى ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له"(633) ولما قبض رسول الله × اختلف أصحابه فقالوا: ادفنوه في البقيع(634), وقال آخرون: ادفنوه في موضع الجنائز، وقال آخرون: ادفنوه في مقابل أصحابه، فقال أبو بكر: أخروا فإنه لا ينبغي رفع الصوت عند النبي حيًا ولا ميتًا، فقال على رضي الله عنه: "أبو بكر مؤتمن على ما جاء به". قال أبو بكر: "عهد إلىَّ رسول أنه ليس من نبي يموت إلا دفن حيث يُقبض"(635), وشهد على رضي الله عنه للصديق عن عظيم أجره في المصاحف، فعن عبد خير قال: سمعت عليًا يقول: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف: أبو بكر الصديق، هو أول من جمع بين اللوحين"(636).






التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
آخر تعديل 161970 يوم 12-22-2010 في 04:30 PM.
رد مع اقتباس
قديم 12-22-2010, 04:44 PM رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
عضو هام بالموقع الرسمي لأبناء نومس

الصورة الرمزية 161970
كاتب الموضوع : 161970 المنتدى : سير الأنبياء والصحابه والتابعين
افتراضي

خامسًا: الصديق والسيدة فاطمة وميراث النبي ×:
قالت عائشة رضي الله عنها: إن فاطمة والعباس - رضي الله عنهما- أتيا أبا بكر- رضي الله عنه- يلتمسان ميراثهما من رسول الله × وهما يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله يقول: "لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد × من هذا المال"(637) وفي رواية قال أبو بكر رضي الله عنه....لست تاركًا شيئًا كان رسول الله × يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ(638). وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن أزواج النبي ×، حين توفى الرسول الله، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أبى بكر، ليسألنه ميراثهن من النبي ×، فقالت عائشة رضي الله عنها لهن: أليس قد قال رسول الله ×: "لا نورث، ما تركناه صدقة"(639) وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ×: "لا يقتسم ورثتى دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة"(640).
وهذا ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة رضي الله عنها امتثالاً لقوله ×، لذلك قال الصديق: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله × يعمل به إلا عملت به"(641) وقال: "والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته"(642).
وقد تركت فاطمة رضي الله عنه منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها، وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله ×، قال ابن قتيبة(643): وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنها في ميراث النبي× فليس بمنكر، لأنها لم تعلم ما قاله رسول الله ×، وظنت أنها ترثه كما يرث الأولاد آباءهم، فلمان أخبرها بقوله كفت(644), وقد غلا الرافضة في قصة ميراث النبي غلوًا مفرطًا مجانبين الحق والصواب، معرضين متجاهلين ما ورد من نصوص صحيحة في أنه × لا يورث، وجعلوا ذلك من أصول الخلاف بين الصحابة وآل البيت- رضي الله عنهم أجمعين - وامتدادًا لأمر الخلافة، فاتهموا الصحابة- رضوان الله عليهم- بإيقاع الظلم والجور على آل البيت، ولا سيما أبو بكر الصديق وعمر الفاروق - رضي الله عنهما - الذين غصبا الخلافة من آل البيت كما في زعمهم، وأضافوا إلى ذلك غصب أموال آل البيت، وغصب ما فرض الله لهم من حقوق مالية، ويعتبر الرافضة قضية فدك، ومنع فاطمة من إرثها من أهم القضايا، التي تواطأ عليها الصحابة بعد غصب الصديق رضي الله عنه للخلافة منهم على حد تعبيرهم، وذلك حتى لا يميل الناس إلى آل البيت بسبب هذا المال فيجتمعوا عليه ويخلعوه من الخلافة(645).
والمتتبع لكتب الرافضة في هذه المسألة يجد أنها تنصب على إنكار حديث رسول الله ×: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"(646) واستقطاب الأدلة لمحاولة إبطاله، فمن ذلك:
1-
زعمهم أن هذا الحديث وضعه أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-:وفي ذلك يقول الحلى: إن فاطمة لم تقبل بحديث اخترعه أبو بكر من قوله: ما تركناه صدقة. وقال أيضًا: والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها(647). وقال المجلسى بعد أن نص على أن أبا بكر وعمر أخذا فدكًا: ولأجل ذلك وضعوا تلك الرواية الخبيثة المفتراة: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة(648) ويقول الخميني في ذلك: نقول إن الحديث المنسوب إلى النبي لا صحة له، وأنه قيل من أجل استئصال ذرية النبي(649).
ويجاب على ذلك: بأن هذا القول كذب محض وافتراء واضح، إذ هذه الرواية لم ينفرد بها أبو بكر رضي الله عنه بل إن قوله ×: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة"، رواه عنه أبو بكر وعثمان وعلى وطلحة، والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وأزواج النبي × وأبو هريرة وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم أجمعين(650) وفي ذلك يقول ابن تيمية: والرواية عن هؤلاء ثابتة في الصحاح والمسانيد، ومشهورة يعلمها أهل العلم بالحديث، فقول القائل: إن أبا بكر انفرد بالرواية يدل على فرط جهله أو تعمده الكذب(651).
وقال ابن كثير بعد ذكره لمن روى الحديث: "وأن هذا الزعم من الرافضة باطل، ولو تفرد بروايته الصديق- رضي الله عنه - لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته والانقياد له في ذلك"(652), وقد قال الدكتور سليمان بن رجاء السحيمي صاحب الكتاب القيم "العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط": ويؤيد هذا ما جاء من كتب الرافضة عن الإمام جعفر الصادق الإمام الخامس المعصوم عندهم فيما رواه الكليني والصفار والمفيد أنه قال: قال رسول الله ×: "من سلك طريقًا يطلب منه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، والعلماء أمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وأن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر(653) وفي رواية: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وذلك ان الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم"(654). وما أرث منك يا رسول الله؟ قال: "ما أورث النبيون".

2-
زعمهم أن هذا الحديث مخالف لقوله تعالى: + يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ " [النساء:11] وقالوا: ولم يجعل الله ذلك خاصًا بالأمة دونه ×؟(655).
والحقيقة أن الخطاب شامل للمقصودين بالخطاب، وليس فيه ما يوجب كون النبي × من المخاطبين بها(656), فهو × لا يقاس بأحد من البشر، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولأن الله حرم عليه صدقة الفرض والتطوع، وخُص بأشياء لم يُخص بها أحد غيره ×، ومما خصه الله به، هو وإخوانه من الأنبياء عليهم السلام كونهم لا يورثون، وذلك صيانة من الله لهم لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وخلفوها لورثتهم، أما بقية البشر فلا نبوة لهم يقدح فيها بمثل ذلك، كما صان الله تعالى نبينا × عن الخط والشعر صيانة لنبوته عن الشبة وإن كان غيره لم يحتج إلى هذه الصيانة(657).
وقال ابن كثير في رده على استدلال الرافضة بالآية: إن رسول الله × قد خُص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها..فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون، وليس الأمر كذلك، لكان ما رواه الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر، مبينًا لتخصصه بهذا الحكم دون من سواه(658). وبهذا يتبين بطلان استدلالهم بمخالفة الحديث.
3-


زعمهم أن منع الإرث والاستدلال بهذا الحديث مخالف لقوله تعالى: +وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ" [النمل:16]، ومخالف لما حكاه الله عن نبيه زكريا عليه السلام: +وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا" [مريم: 5، 6].
حيث قالوا: إن الميراث يقتضي الأموال وما في معناه، وليس لأحد أن يقول إن المراد بالآية العلم دون المال(659).
ويجاب على ذلك بما يلي: إن الإرث اسم جنس يدخل تحته أنواع، فيستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير ذلك من أنواع الانتقال. قال تعالى: +ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا" [فاطر:32]، وقال تعالى: + أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ( الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" [المؤمنون:10، 11] وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا الشان، وإذا كان كذلك فقوله تعالى: + وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ" وقوله: +يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" إنما يدل على جنس الإرث، ولا يدل على إرث المال، وذلك أن داود عليه السلام كان له أولاد كثيرون غير سليمان فلا يختص سليمان بماله فدل على أن المراد بهذا الإرث إرث العلم والنبوة ونحو ذلك، لا إرث المال، والآية سيقت في بيان مدح سليمان وما خصه الله به من النعمة، وحصر الإرث في المال لا مدح فيه، إذ إن إرث المال من الأمور العادية المشتركة بين الناس، وكذلك قوله تعالى: +يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" ليس المراد به إرث المال لأنه لا يرث آل يعقوب شيئًا من أموالهم، وإنما يرث ذلك منهم أولادهم وسائر ورثتهم لو ورثوا(660).
كما أن قوله: +وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي" [مريم:5] لا يدل على أن الإرث إرث مال، لأن زكريا لم يخف أن يأخذوا ماله من بعده إذا مات، فإن هذا ليس بمخوف، وزكريا عليه السلام لم يعرف له مال، بل كان تجارًا يأكل من كسب يده كما في صحيح مسلم(661)، ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدًا يرث عنه ماله، قدل على أن المراد بالوراثة في هاتين الآيتين وراثة النبوة، والقيام مقامه(662).
يقول القرطبي في تفسيره للآية: وعليه فلم يسل من يرث ماله، لأن الأنبياء لا تورث، وهذ هو الصحيح من القولين في تأويل الآية، وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال لما ثبت عن النبي × أنه قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة"(663), وهذا الحديث يدخل في التفسير المسند لقوله تعالى: +وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ" وعبارة عن قول زكريا +فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا" وتخصيص للعموم في ذلك، وإن سليمان لم يرث من داود مالاً خلفه داود بعده. وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب، وهكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض(664).
ومما تجدر الإشارة إليه أن الرافضة خالفوا ما استدلوا به على وجوب الميراث، وذلك أنهم حصروا ميراثه × في فاطمة - رضي الله عنه - فزعموا أنه لم يرث النبي × إلا هي، فأخرجوا أزواجه وعصبته مخالفين عموم الآيات التي استدلوا بها، فقد روى الصدوق بسنده عن أبى جعفر الباقر قوله: لا والله ما ورث رسول الله × العباس ولا على، ولا ورثته إلا فاطمة عليها السلام، وما كان آخذ على عليه السلام السلاح وغيره إلا إنه قضى عنه دينه(665). وروى الكليني والصدوق والطوسى بأسانيدهم إلى الباقر أيضًا قوله: وورث على عليه السلام من رسول الله × علمه، وورثت فاطمة عليها السلام تركته(666), بل وأخرجوا فاطمة من ذلك، حيث زعموا أن النساء لا يرثن العقار، فقد بوب الكليني في كتابه الكافي بابًا بعنوان: إن النساء لا يرثن من العقار شيئًا، وساق تحته روايات منها: عن أبي جعفر الصادق إنه قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئًا(667).
روى الصدوق بسنده إلى ميسر قال:سألته - يقصد الصادق - عن النساء ما لهن في الميراث، فقال: أما الأرض والعقارات فلا ميراث فيه(668), وبهذا يتبين عدم استحقاق فاطمة - رضي الله عنها - شيئًا من الميراث، بدون الاستدلال بحديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث(669), فما دامت المرأة لا ترث العقار والأرض، فكيف كان لفاطمة أن تسأل فدك - على حسب قولهم- وهي عقار لا ريب فيه(670), وهذا دليل كذبهم وتناقضهم فضلاً عن جهلهم(671).
وأما ما زعموه من كون الصديق - رضي الله عنه - سأل فاطمة أن تحضر شهودًا، فأحضرت عليًا وأم أيمن فلم يقبل شهادتهما، فهو من الكذب البين الواضح، قال حماد بن إسحاق: فأما ما يحكيه قوم أن فاطمة عليها السلام طلبت فدك، وذكرت أن رسول الله × أقطعها إياها، وشهد لها على عليه السلام فلم يقبل أبو بكر شهادته لأنه زوجها، فهذا أمر لا أصل له ولا تثبت به رواية أنها ادعت ذلك، وإنما هو أمر مفتعل لا ثبت فيه(672).
4-
أن السنة والإجماع قد دلا على أن النبي × لا يورث:قال ابن تيمية: كون النبي × لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها، وبإجماع الصحابة، وكل منها دليل قطعي، فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عمومًا فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلاً لما كان إلا ظنيًا فلا يعارض القطعي، إذ الظنى لا يعارض القطعي، وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصر أحد من أزواجه على طلب الميراث، ولا أصرّ العمّ على طلب الميراث، بل لما طلب من ذلك شيئًا فأخبر بقول النبي × رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى على، فلم يغير شيئًا ولا قسم له تركة(673). قال ابن تيمية: قد تولى الخلافة (علىّ) بعد ذي النورين عثمان، وصار فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعط منها شيئًا لأحد من أولاد فاطمة ولا من زوجات النبي × ولا ولد العباس، فلو كان ظلمًا وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه، أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم ولا يعطي هؤلاء قليلاً من المال، وأمره أهون بكثير(674).
وبإجماع الخلفاء الراشدين على ذلك احتج الخليفة العباسي أبو العباس السفاح على بعض مناظريه في هذه المسألة على ما نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس قال: وقد روينا عن السفاح أنه خطب يومًا فقام رجل من آل على - رضي الله عنه - قال: إنا من أولاد على - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين أعنى على من ظلمني. قال: ومن ظلمك؟ قال: أنا من أولاد على - رضي الله عنه - والذي ظلمني أبو بكر - رضي الله عنه - حين أخذ فدك من فاطمة، وقال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام عبده؟ قال: عمر - رضي الله عنه - قال: ودام على ظلمكم. قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ قال عثمان - رضي الله عنه- قال: ودام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: ومن قام بعده؟ فجعل يلتفت كذا وكذا ينظر مكانًا يهرب منه(675).
وبتصويب أبي بكر - رضي الله عنه - في اجتهاده صرَّح بعض أولاد على من فاطمة - رضي الله عنهما- على ما روى البيهقي بسنده عن فضيل بن مرزوق قال: قال زيد بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب: أما لو كنت مكان أبي بكر، لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك(676), كما نقل أبو العباس القرطبي اتفاق أهل البيت بدءًا بعلي - رضي الله عنه - ومن جاء بعده من أولاده، ثم أولاد العباس الذين كانت بأيديهم صدقة رسول الله، إنهم ما كانوا يرون تملكها، إنما كانوا ينفقونها في سبيل الله، قال- رحمه الله-: إن عليًا لما ولى الخلافة ولم يغيرها عما عمل فيها في عهد أبي بكر وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان من قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن على، ثم بيد حسين بن على، ثم بيد على بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسين، ثم بيد عبد الله بن الحسين، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر البرقاني في صحيحه، وهؤلاء كبراء أهل البيت -ر ضي الله عنهم- وهم معتمدون عند الشيعة وأئمتهم، لم يرو عن واحد منهم أنه تملكها ولا ورثها ولا ورثت عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًا لأخذها على أو أحد من أهل بيته لما ظفروا بها(677).
وقال ابن تيمية: قد تولى (علىّ) الخلافة بعد ذى النورين عثمان، وصارت فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعط منها شيئًا لأحد من أولاد فاطمة، ولا من زوجات النبي ×، ولا ولد العباس، فلو كان ظلمًا وقدر على إزالته لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية وجيوشه، أفتراه يقاتل معاوية مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم، ولا يعطي هؤلاء قليلاً من المال، وأمره أهون بكثير؟ (678).
وقال ابن كثير: وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل، وتكلفوا ما لاعلم لهم به، وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله، وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم(679), فلو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة، وفرقة مرذولة، يتمسكون بالمتشابهة، ويتركون الأمور المقررة عند أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين من بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين(680).
5-


تسامح السيدة فاطمة مع أبي بكر: وقد ثبت عن فاطمة - رضي الله عنها- أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال على: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضَّاها حتى رضيت(681) قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوى والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من على، أو ممن سمعه من على(682).
وبهذا تندحض مطاعن الرافضة على أبي بكر التي يعلقونها على غضب فاطمة عليه، فلئن كانت غضبت على أبى بكر في بداية الأمر فقد رضيت عنه بعد ذلك وماتت وهى راضية عنه، ولا يسع أحدًا صادقًا في محبته لها، إلا أن يرضي عمن رضيت عنه(683), ولا يعارض هذا ما ثبت في حديث عائشة: إنما يأكل آل محمد × من هذا المال، وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله × عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ×، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ×، فأبي أبو بكر أن يدفع لفاطمة منها شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت(684). فإن هذا بحسب علم عائشة - رضي الله عنها - رواية الحديث، وفي حديث الشعبي زيادة علم، وثبوت زيارة أبي بكر لها وكلامها له ورضاها عنه، فعائشة - رضي الله عنها - نفت والشعبي أثبت، ومعلوم لدى العلماء أن قول المثبت مقدم على قول النافي، لأن احتمال الثبوت حصل بغير علم النافي، خصوصًا في مثل هذه المسألة، فإن عيادة أبي بكر لفاطمة - رضي الله عنها- ليست من الأحداث الكبيرة التي تشيع في الناس، ويطلع عليها الجميع، وإنما هي من الأمور العادية التي تخفي على من لم يشهدها، والتي لا يعبأ بنقلها لعدم الحاجة لذكرها، على أن الذي ذكره العلماء أن فاطمة - رضي الله عنها - لم تتعمد هجر أبي بكر - رضي الله عنه - أصلاً، ومثلها ينزه عن ذلك لنهي النبي × عن الهجر فوق ثلاث، وإنما لم تكلمه لعدم الحاجة لذلك(685), قال القرطبي صاحب المفهم في سياق شرحه لحديث عائشة المتقدم: ثم إنها (أي فاطمة) لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله × ولملازمتها بيتها، فعبر الراوى عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله ×: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"(686), وهى أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله ×، وكيف لا تكون كذلك وهي بضعة من رسول الله × وسيدة نساء أهل الجنة(687).
وقال النووي: وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر - رضي الله عنه- فمعناه انقباضها عن لقائه، وليس هذا من الهجران المحرم، الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء، وقوله في هذا الحديث: (فلم تكلمه) يعنى في هذا الأمر، أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت إلى لقائه فتكلمه، ولم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته(688), لقد انشغلت فاطمة - رضي الله عنها - عن كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزرى بكل المصائب، كما أنها أنشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أية مشاركة في أي شأن من الشئون فضلاً عن لقاء خليفة المسلمين المشغول - لكل لحظة من لحظاته - بشئون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها، فقد أخبرها رسول الله × بأنها أول من يلحق به من أهله(689), ومن كان في مثل علمها لا يخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العينى: ولم يرو أحد أنهما التقيا وامتنعا عن التسليم، إنما لازمت بيتها، فعبر الراوى عن ذلك بالهجران(690).
ومما يدل على أن العلاقة كانت وطيدة بين الصديق والسيدة فاطمة إلى حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرض فاطمة بنت النبي ×، ورضي الله عنها، في مرض موتها، وكانت معها حتى الأنفاس الأخيرة، وشاركت في غسلها وترحيلها إلى مثواها، وكان على رضي الله عنه يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس، رضي الله عنها، وقد وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها، فعملت أسماء بها(691), فقد قالت السيدة فاطمة لأسماء: إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول الله ×، ألا أريك شيئًا رأيته بأرض الحبشة، فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبًا، فقال فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله! به تعرف المرأة من الرجال(692). وعن ابن عبد البر: أن فاطمة رضي الله عنها أول من غطى نعشها في الإسلام، ثم زينب بنت جحش، وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية ليسأله عن أحوال بنت النبي × خلاف ما يزعمه القوم، فمرضت (أي فاطمة رضي الله عنها) وكان على يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ ومن ناحية أخرى من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقية لها، ولما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله ×، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليًا ويقولان: يا أبا الحسن، لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله(693), وقد توفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة، روى ابن مالك بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده على بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء فحضرها أبو بكر وعمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فلما وضعت ليصلي عليها، قال على: تقدم يا أبا بكر، قال أبو بكر رضي الله عنه: وأنت يا أبا الحسن؟ قال: نعم، فوالله لا يصلي عليها غيرك، فصلى عليها أبو بكر رضي الله عنه ودفنت ليلاً. وجاء في رواية: صلى أبو بكر رضي الله عنه على فاطمة بنت رسول الله × فكبر عليها أربعًا(694), وفي رواية مسلم: صلى عليها على بن أبي طالب وهي الرواية الراجحة(695).
ولقد أجاد وأفاد محمد إقبال في قصيدته العصماء (فاطمة الزهراء) فقال:
نَسَبُ المسيح بنى لمريم سيرة
بقيت على طول المدى ذكراها
والمجد يشرف من ثلاث مطالع
في مهد فاطمة فما أعلاها
هي بنت من؟ هي زوج من؟ هي أم من؟ منمن من؟
من ذا يداني في الفخار أباها
هي ومضة من نور عين المصطفى
هادي الشعوب إذا تروم هداها
من أيقظ الفطر النيام بروحه
وكأنه بعد البلى أحياها
وأعاد تاريخ الحياة جديدة
مثل العرائس في جديد حُلاها
هى أسوة للأمهات وقدوة
يترسم القمر المنير خطاها
جعلت من الصبر الجميل غذاءها
ورأت رضا الزوج الكريم رضاها
إلى أن قال:
لولا وقوفي عند شرع المصطفى
وحدود شرعته ونحن فداها
لمضيت للتطواف حول ضريحها
وغمرت بالقبلات طيب ثراها(696)

سادسًا: مصاهرات بين الصديق وأهل البيت وتسمية أهل البيت بعض أبنائهم
باسم أبي بكر:
كانت صلة سيدنا أبي بكر الصديق خليفة رسول الله × بأعضاء أهل البيت، صلة ودية تقديرية تليق به وبهم، كانت هذه المودة والثقة متبادلة، وكانت من المتانة بحيث لا يتصور معها التباعد والاختلاف مهما نسج المسامرون الأساطير والأباطيل، فالصديقة عائشة بنت الصديق بنت أبي بكر كانت زوجة النبي ×، ومن أحب الناس إليه مهما احترق الحساد ونقم المخالفون، فإنها حقيقة ثابتة وهي طاهرة مطهرة بشهادة القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون، ثم أسماء بنت عميس التي كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق على، فمات عنها وتزوجها الصديق، وولدت له ولدًا سماه محمدًا الذي ولاه على مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها على بن أبي طالب فولدت له ولدًا سماه يحيى(697). وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر- الإمام الخامس عند الروافض وحفيد على رضي الله عنه -، وقد نقل الأستاذ إحسان إلهي ظهير من كتب الروافض ما يثبت التلاحم والمصاهرة بين بيت النبوة وبيت الصديق، فقد أثبت أن قاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر، وعلى بن الحسين بن على أبي طالب حفيد على كانا ابني خالة، فأم قاسم بن محمد وعلى بن الحسين هما بنتا يزدجرد بن شهريار - بن كسرى- اللتان كانتا من سبى الفرس في عهد عمر رضي الله عنه، وتوسع إحسان إلهي ظهير في إثبات المصاهرات وعلاقات المودة والتراحم المتبادل بين أهل البيت وبيت الصديق(698), وكان من حب أهل البيت للصديق والتواد ما بينهم أنهم سموا أبناءهم بأسماء أبي بكر رضي الله عنه، فأولهم على بن أبي طالب حيث سمى أحد أبنائه أبا بكر، وهذا دليل على حب ومؤاخاه وإعظام وتقدير على للصديق رضي الله عنهما،والجدير بالذكر أنه ولد له هذا الولد بعد تولية الصديق الخلافة والإمامة، بل وبعد وفاته كما هو معروف بداهة، وهل يوجد في الشيعة اليوم المتزعمين حب على وأولاده رجل يسمى بهذا الاسم، وهل هم موالون له أم مخالفون؟ وعلى رضي الله عنه لم يسم بهذا ابنه إلا تيمنا بالصديق وإظهارًا له المحبة والوفاء وحتى بعد وفاته، وإلا فلا يوجد في بنى هاشم رجل قبل على سمى ابنه بهذا الاسم، ثم لم يقتصر علىّ بهذا التيمن والتبرك وإظهار المحبة والصداقة للصديق بل بعده بنوه أيضًا مشوا مشيه ونهجوا نهجه، فالحسن والحسين، سميا كل واحد منهما أحد أولادهما بأبي بكر، فقد ذكر ذلك اليعقوبي والمسعودي وهما من مؤرخي الروافض(699), واستمر أهل البيت يسمون من أسماء أولادهم بأبي بكر، فقد سمى ابن أخي على بن أبي طالب رضي الله عنه وهو عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب فإنه سمى أحد أبنائه باسم أبي بكر، وهذه من إحدى علائم الحب والود بين القوم خلاف ما يزعمه الروافض اليوم من العداوة والبغضاء والقتال الشديد والجدال الدائم بينهم(700).







التوقيع

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]
آخر تعديل 161970 يوم 12-22-2010 في 04:49 PM.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 14 ( الأعضاء 0 والزوار 14)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أعظم إنسان عرفته البشرية 161970 أعظم إنسان 17 01-18-2013 03:00 PM
ومضات من حياة إمام الأنبياء - صلى الله عليه وسلم أبن نومس أعظم إنسان 8 05-29-2012 12:44 PM
سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه 161970 سير الأنبياء والصحابه والتابعين 10 03-21-2012 12:00 AM
ومضات من حياة إمام الانبياء للشيخ عبدالعزيزالحسين مختصر جميل أحببت نقله هنا صاحب الألوكه أعظم إنسان 9 08-03-2011 04:20 AM
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم:4 ] وريث المجد المنتدى الإسلامي العام 3 08-16-2010 08:39 AM


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع الحقوق محفوظة للموقع الرسمي لأبناء نومس